محمد بن جرير الطبري

39

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : ترك النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوم توفي على أربع منازل : مؤمن مهاجر ، والأنصار ، وأعرابي مؤمن لم يهاجر ؛ إن استنصره النبي صلى الله عليه وسلم نصره وإن تركه فهو إذن له وإن استنصر النبي صلى الله عليه وسلم في الدين كان حقا عليه أن ينصره ، فذلك قوله : وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ . والرابعة : التابعون بإحسان . حدثنا عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا إلى آخر السورة ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وترك الناس على أربع منازل : مؤمن مهاجر ، ومسلم أعرابي ، والذين آووا ونصروا ، والتابعون بإحسان . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يقول تعالى ذكره : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بالله ورسوله ، بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يقول : بعضهم أعوان بعض وأنصاره ، وأحق به من المؤمنين بالله ورسوله . وقد ذكرنا قول من قال : عنى بيان أن بعضهم أحق بميراث بعض من قرابتهم من المؤمنين ، وسنذكر بقية من حضرنا ذكره . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن السدي ، عن أبي مالك ، قال : قال رجل : نورث أرحامنا من المشركين فنزلت : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ الآية . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ نزلت في مواريث مشركي أهل العهد . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا إلى قوله : وَفَسادٌ كَبِيرٌ قال : كان المؤمن المهاجر ، والمؤمن الذي ليس بمهاجر لا يتوارثان وإن كانا أخوين مؤمنين . قال : وذلك لأن هذا الدين كان بهذا البلد قليلا حتى كان يوم الفتح ؛ فلما كان يوم الفتح وانقطعت الهجرة توارثوا حيثما كانوا بالأرحام ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا هجرة بعد الفتح " . وقرأ : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ . وقال آخرون : معنى ذلك : إن الكفار بعضهم أنصار بعض وإنه لا يكون مؤمنا من كان مقيما بدار الحرب ولم يهاجر . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ قال : كان ينزل الرجل بين المسلمين والمشركين فيقول : إن ظهر هؤلاء كنت معهم ، وإن ظهر هؤلاء كنت معهم . فأبى الله عليهم ذلك ، وأنزل الله في ذلك ؛ فلا تراءى نار مسلم ونار مشرك إلا صاحب جزية مقرا بالخراج . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : حض الله المؤمنين على التواصل ، فجعل المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون من سواهم ، وجعل الكفار بعضه أولياء بعض . وأما قوله : إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم : معناه : إلا تفعلوا أيها المؤمنون ما أمرتم به من موارثة المهاجرين منكم بعضهم من بعض بالهجرة والأنصار بالإيمان دون أقربائهم من أعراب المسلمين ودون الكفار تَكُنْ فِتْنَةٌ يقول : يحدث بلاء في الأرض بسبب ذلك ، وَفَسادٌ كَبِيرٌ يعني : ومعاصي الله . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ