محمد بن جرير الطبري
23
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : أخفهم بهم لما تصنع بهؤلاء . وقرأ : وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ قال : هؤلاء المنافقون لا تعلمونهم لأنهم معكم يقولون لا إله إلا الله ويغزون معكم . وقال آخرون : هم قوم من الجن . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله أمر المؤمنين ب إعداد الجهاد وآلة الحرب وما يتقوون به على جهاد عدوه وعدوهم من المشركين من السلاح والرمي وغير ذلك ورباط الخيل . ولا وجه لأن يقال : عني بالقوة معنى دون معنى من معاني القوة ، وقد عم الله الأمر بها . فإن قال قائل : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد بين أن ذلك مراد به الخصوص بقوله : " ألا إن القوة الرمي " . قيل له : إن الخبر وإن كان قد جاء بذلك فليس في الخبر ما يدل على أنه مراد بها الرمي خاصة دون سائر معاني القوة عليهم ، فإن الرمي أحد معاني القوة ، لأنه إنما قيل في الخبر : " ألا إن القوة الرمي " ولم يقل دون غيرها . ومن القوة أيضا السيف والرمح والحربة ، وكل ما كان معونة على قتال المشركين ، كمعونة الرمي أو أبلغ من الرمي فيهم وفي النكاية منهم ، هذا مع وهي سند الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما قوله : وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ فإن قول من قال : عنى به الجن ، أقرب وأشبه بالصواب ؛ لأنه جل ثناؤه قد أدخل بقوله : وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ الأمر بارتباط الخيل لإرهاب كل عدو لله وللمؤمنين يعلمونهم ، ولا شك أن المؤمنين كانوا عالمين بعداوة قريظة وفارس لهم ، لعلمهم بأنهم مشركون وأنهم لهم حرب ، ولا معنى لأن يقال : وهم يعلمونهم لهم أعداء ، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ؛ ولكن معنى ذلك : إن شاء الله ترهبون بارتباطكم أيها المؤمنون الخيل عدو الله وأعداءكم من بني آدم الذين قد علمتم عداوتهم لكم لكفرهم بالله ورسوله ، وترهبون بذلك جنسا آخر من غير بني آدم لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم الله يعلمهم دونكم ، لأن بني آدم لا يرونهم . وقيل : إن صهيل الخيل يرهب الجن ، وإن الجن لا تقرب دارا فيها فرس . فإن قال قائل : فإن المؤمنين كانوا لا يعلمون ما عليه المنافقون ، فما تنكر أن يكون عني بذلك المنافقون ؟ قيل : فإن المنافقين لم يكن تروعهم خيل المسلمين ولا سلاحهم ، وإنما كان يروعهم أن يظهر المسلمون على سرائرهم التي كانوا يستسرون من الكفر ، وإنما أمر المؤمنون بإعداد القوة لإرهاب العدو ، فأما من لم يرهبه ذلك فغير داخل في معنى من أمر بإعداد ذلك له المؤمنون ، وقيل : " لا تعلمونهم " ، فاكتفي للعلم بمنصوب واحد في هذا الموضع ، لأنه أريد لا تعرفونهم ، كما قال الشاعر : فإن الله يعلمني ووهبا * وأنا سوف يلقاه كلانا القول في تأويل قوله تعالى : وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : وما أنفقتم أيها المؤمنون من نفقة في شراء آلة حرب من سلاح أو حراب أو كراع أو غير ذلك من النفقات في جهاد أعداء الله من المشركين يخلفه الله عليكم في الدنيا ، ويدخر لكم أجوركم على ذلك عنده ، حتى يوفيكموها يوم القيامة . وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ يقول : يفعل ذلك بكم ربكم فلا يضيع أجوركم عليه . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ أي لا يضيع لكم عند الله أجره في الآخرة وعاجل خلفه في الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ