محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ولا يرد قضاءه راد ، ينفذ أمره ويمضي قضاءه في خلقه ، شديد عقابه لمن كفر بآياته وجحد حججه . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يقول تعالى ذكره : وأخذنا هؤلاء الذين كفروا بآياتنا من مشركي قريش ببدر بذنوبهم وفعلنا ذلك بهم ، بأنهم غيروا ما أنعم الله عليهم به من ابتعاثه رسوله منهم وبين أظهرهم ، بأخراجهم إياه من بينهم وتكذيبهم له وحربهم إياه ؛ فغيرنا نعمتنا عليهم بإهلاكنا إياهم ، كفعلنا ذلك في الماضين قبلهم ممن طغى علينا وعصى أمرنا . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ يقول : نعمة الله محمد صلى الله عليه وسلم ، أنعم به على قريش وكفروا ، فنقله إلى الأنصار . وقوله وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يقول : لا يخفى عليه شيء من كلام خلقه ، يسمع كلام كل ناطق منهم بخير نطق أو بشر ، عليم بما تضمره صدورهم ، وهو مجازيهم ومثيبهم على ما يقولون ويعملون ، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا . القول في تأويل قوله تعالى : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ يقول تعالى ذكره : غير هؤلاء المشركون بالله المقتولون ببدر ، نعمة ربهم التي أنعم بها عليهم ، بابتعاثه محمدا منهم وبين أظهرهم ، داعيا لهم إلى الهدى ، بتكذيبهم إياه وحربهم له . كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ كسنة آل فرعون وعادتهم ، وفعلهم بموسى نبي الله في تكذيبهم إياه ، وتصديهم لحربه وعادة من قبلهم من الأمم المكذبة رسلها وصنيعهم . فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ بعضا بالرجفة ، وبعضا بالخسف ، وبعضا بالريح . وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ في اليم . وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ يقول : كل هؤلاء الأمم التي أهلكناها كانوا فاعلين ما لم يكن لهم فعله من تكذيبهم رسل الله والجحود لآياته ، فكذلك أهلكنا هؤلاء الذين أهلكناهم ببدر ، إذ غيروا نعمة الله عندهم بالقتل بالسيف ، وأذللنا بعضهم بالإسار والسباء . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ يقول تعالى ذكره : إن شر ما دب على الأرض عند الله الذين كفروا بربهم فجحدوا وحدانيته ، وعبدوا غيره . فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ يقول : فهم لا يصدقون رسل الله ولا يقرون بوحيه وتنزيله . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ يقول تعالى ذكره : إن شر الدواب عند الله الذين كفروا ، الذين عاهدت منهم يا محمد ، يقول : أخذت عهودهم ومواثيقهم أن لا يحاربوك ولا يظاهروا عليك محاربا لك كقريظة ونظرائهم ممن كان بينك وبينهم عهد وعقد ، ثم ينقضون عهودهم ومواثيقهم ، كلما عاهدوا دافعوك وحاربوك وظاهروا عليك ، وهم لا يتقون الله ولا يخافون في فعلهم ذلك أن يوقع بهم وقعة تجتاحهم وتهلكهم . كالذي : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ قال : قريظة مالئوا على محمد يوم الخندق أعداءه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فإما