محمد بن جرير الطبري

143

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

نفسه من جسده ، فيفارق ما أعطيته من المال والولد ، فيكون ذلك حسرة عليه عند موته ووبالا عليه حينئذ ووبالا عليه في الآخرة بموته ، جاحدا توحيد الله ونبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . حدثني المثني ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان ، عن السدي : وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ في الحياة الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ يقول تعالى ذكره : وإذا أنزل عليك يا محمد سورة من القرآن ، بأن يقال لهؤلاء المنافقين : آمِنُوا بِاللَّهِ يقول : صدقوا بالله وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ يقول : اغزوا المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ يقول : استأذنك ذوو الغنى والمال منهم في التخلف عنك والقعود في أهله ؛ وَقالُوا ذَرْنا يقول : وقالوا لك : دعنا نكن ممن يقعد في منزله مع ضعفاء الناس ومرضاهم ومن لا يقدر على الخروج معك في السفر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا علي بن داود ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ قال : يعني أهل الغنى . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ يعني : الأغنياء . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ كان منهم عبد الله بن أبي والجد بن قيس ، فنعى الله ذلك عليهم . القول في تأويل قوله تعالى : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ يقول تعالى ذكره : رضي هؤلاء المنافقون الذين إذا قيل لهم : آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله ، استأذنك أهل الغنى منهم في التخلف عن الغزو والخروج لقتال أعداء الله من المشركين ، أن يكونوا في منازلهم كالنساء اللواتي ليس عليهن فرض الجهاد ، فهن قعود في منازلهن وبيوتهن . وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ يقول : وختم الله على قلوب هؤلاء المنافقين ، فهم لا يفقهون عن الله مواعظه فيتعظون بها . وقد بينا معنى الطبع وكيف الختم على القلوب فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ قال : والخوالف : هن النساء . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ يعني : النساء . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حيوة أبو يزيد ، عن يعقوب القمي ، عن حفص بن حميد ، عن شمر بن عطية : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ قال : النساء . قال : ثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك : مَعَ الْخَوالِفِ قال : مع النساء . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ أي مع النساء . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة والحسن : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ قالا : النساء . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ قال : مع النساء . القول في تأويل قوله تعالى : لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ يقول‌تعالى ذكره : لم يجاهد هؤلاء المنافقون الذين اقتصصت قصصهم المشركين ، لكن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والذين صدقوا الله ورسوله معه هم الذين جاهدوا المشركين بأموالهم وأنفسهم ، فأنفقوا في جهادهم أموالهم واتعبوا في قتالهم أنفسهم وبذلوها . وَأُولئِكَ يقول : وللرسول وللذين آمنوا معه الذين جاهدوا