محمد بن جرير الطبري
137
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وأمسكت أربعة آلاف لعيالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بارك الله فيما أعطيت وفيما أمسكت " وجاء رجل آخر فقال : يا رسول الله ، بت الليلة أجر الماء على صاعين ، فأما أحدهما فتركت لعيالي ، وأما الآخر فجئتك به ، اجعله في سبيل الله فقال : " بارك الله فيما أعطيت وفيما أمسكت " فقال ناس من المنافقين : والله ما أعطى عبد الرحمن إلا رياء وسمعة ، ولقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع فلان فأنزل الله : الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ يعني عبد الرحمن بن عوف ، وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ يعني صاحب الصاع ، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال ابن عباس : أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يجمعوا صدقاتهم ، وإذا عبد الرحمن بن عوف قد جاء بأربعة آلاف ، فقال : هذا مالي أقرضه الله وقد بقي لي مثله فقال له : " بورك لك فيما أعطيت وفيما أمسكت " فقال المنافقون : ما أعطى إلا رياء ، وما أعطى صاحب الصاع إلا رياء ، إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا وما يصنع الله بصاع من شيء ؟ . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ إلى قوله : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قال : أمر النبي عليه الصلاة والسلام المسلمين أن يتصدقوا ، فقام عمر بن الخطاب فألقى مالا وافرا ، فأخذ نصفه قال : فجئت أحمل مالا كثيرا ، فقال له رجل من المنافقين : ترائي يا عمر ؟ فقال عمر : أرائي الله ورسوله ، وأما غيرهما فلا . قال : ورجل من الأنصار لم يكن عنده شيء ، فاجر نفسه ليجر الجرير على رقبته بصاعين ليلته ، فترك صاعا لعياله وجاء بصاع يحمله ، فقال له بعض المنافقين : إن الله ورسوله عن صاعك لغنيان فذلك قول الله تبارك وتعالى : الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ هذا الأنصاري رجل من الأنصار ، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وقد بينا معنى اللمز في كلام العرب بشواهده وما فيه من اللغة والقراء مضى وأما قوله : الْمُطَّوِّعِينَ فإن معناه : المتطوعين ، أدغمت التاء في الطاء ، فصارت طاء مشددة ، كما قيل : وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً يعني يتطوع . وأما الجهد فإن للعرب فيه لغتين ، يقال : أعطاني من جهده جهدهم بضم الجيم ، وذلك فيما ذكر لغة أهل الحجاز ، ومن جهده بفتح الجيم ، وذلك لغة أهل نجد . وعلى الضم قراءة الأمصار ، وذلك هو الاختيار عندنا لإجماع الحجة من القراء عليه . وأما أهل العلم بكلام العرب من رواة الشعر وأهل العربية ، فإنهم يزعمون أنها مفتوحة ومضمومة بمعنى واحد . وإنما اختلاف ذلك لاختلاف اللغة فيه كما اختلفت لغاتهم في الوجد والوجد بالضم والفتح من " وجدت " . وروي عن الشعبي في ذلك ما : حدثنا أبو كريب . قال : ثنا جابر بن نوح ، عن عيسى بن المغيرة ، عن الشعبي ، قال : الجهد في العمل ، والجهد في القوت . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حفص ، عن عيسى بن المغيرة ، عن الشعبي ، مثله . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا ابن إدريس ، عن عيسى بن المغيرة ، عن الشعبي ، قال : الجهد في العمل ، والجهد في المعيشة . القول في تأويل قوله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ادع الله لهؤلاء المنافقين الذين وصف صفاتهم في هذه الآيات بالمغفرة ، أو لا تدع لهم بها . وهذا كلام خرج مخرج الأمر ، وتأويله الخبر ، ومعناه : إن استغفرت لهم يا محمد أو لم تستغفر لهم ، فلن يغفر الله لهم . وقوله : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ يقول : إن تسأل لهم أن تستر عليهم ذنوبهم بالعفو منه لهم عنها وترك فضيحتهم بها ، فلن يستر الله عليهم ، ولن يعفو لهم عنها ؛ ولكنه يفضحهم بها على رؤوس الأشهاد يوم القيامة . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يقول جل ثناؤه . هذا الفعل من الله بهم ، وهو ترك عفوه لهم عن ذنوبهم ، من أجل