محمد بن جرير الطبري
134
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : سمعت معتمر بن سليمان التيمي يقول : ركبت البحر فأصابنا ريح شديدة ، فنذر قوم منا نذورا ، ونويت أنا لم أتكلم به . فلما قدمت البصرة ، سألت أبي سليمان ، فقال لي يا بني : فه به . حدثنا القاسم قال معتمر ، وثنا كهمس عن سعيد بن ثابت ، قال : قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ الآية ، قال : إنما هو شيء نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به ، ألم تسمع إلى قوله : أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ يقول تعالى ذكره : ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون بالله ورسوله سرا ، ويظنون الإيمان بهما لأهل الإيمان بهما جهرا ، أن الله يعلم سرهم الذي يسرونه في أنفسهم من الكفر به وبرسوله ، وَنَجْواهُمْ يقول : ونجوا تناجوا بينهم بالطعن في الإسلام وأهله وذكرهم بغير ما ينبغي أن يذكروا به ، فيحذروا من الله عقوبته أن يحلها بهم وسطوته أن يوقعها بهم على كفرهم بالله وبرسوله وعيبهم للإسلام وأهله ، فينزعوا عن ذلك ويتوبوا منه . وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ يقول : ألم يعلموا أن الله علام ما غاب عن إسماع خلقه وأبصارهم وحواسهم ما أكنته نفوسهم ، فلم يظهر على جوارحهم الظاهرة فينهاهم ذلك عن خداع أوليائه بالنفاق والكذب ، ويزجرهم عن إضمار غير ما يبدونه وإظهار خلاف ما يعتقدونه . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يقول تعالى ذكره : الذين يلمزون المطوعين في الصدقة على أهل المسكنة والحاجة ، بما لم يوجبه الله عليهم في أموالهم ، ويطعنون فيها عليهم بقولهم : إنما تصدقوا به رياء وسمعة ، ولم يريدوا وجه الله ، ويلمزون الذين لا يجدون ما يتصدقون به إلا جهدهم ، وذلك طاقتهم ، فينتقصونهم ويقولون : لقد كان الله عن صدقة هؤلاء غنيا سخرية منهم بهم . فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وقد بينا صفة سخرية الله ، بمن يسخر به من خلقه في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته هاهنا . وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يقول : ولهم من عند الله يوم القيامة عذاب موجع مؤلم . وذكر أن المعني بقوله : الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عبد الرحمن بن عوف ، وعاصم بن عدي الأنصاري ، وأن المعني بقوله : وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ أبو عقيل الأراشي أخو بني أنيف . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ قال : جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام ، فقال بعض المنافقين : والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء وقالوا : إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الناس يوما فنادى فيهم : أن أجمعوا صدقاتكم فجمع الناس صدقاتهم . ثم جاء رجل من أحوجهم بمن من تمر ، فقال : يا رسول الله هذا صاع من تمر ، بت ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر ، فأمسكت أحدهما وأتيتك بالآخر فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقات . فسخر منه رجال وقالوا : والله إن الله ورسوله لغنيان عن هذا ، وما يصنعان بصاعك من شيء