محمد بن جرير الطبري
118
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ الآية ، ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال : والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا ، وإن كان ما يقول محمد حقا ، لهم شر من الحمير قال : فسمعها رجل من المسلمين ، فقال : والله إن ما يقول محمد حق ، ولأنت شر من الحمار فسعى بها الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إلى الرجل فدعاه ، فقال له : " ما حملك على الذي قلت ؟ " فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك ، قال : وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب فأنزل الله في ذلك : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها يقول تعالى ذكره : ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يحلفون بالله كذبا للمؤمنين ليرضوهم وهم مقيمون على النفاق ، أنه من يحارب الله ورسوله ويخالفهما فيناوئهما بالخلاف عليهما ، فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ في الآخرة خالِداً فِيها يقول : لابثا فيها ، مقيما إلى غير نهاية . ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ يقول : فلبثه في نار جهنم وخلوده فيها هو الهوان والذل العظيم . وقرأت القراء : فَأَنَّ بفتح الألف من " أن " بمعنى : ألم يعلموا أن لمن حاد الله ورسوله نار جهنم ، وإعمال " يعلموا " فيها ، كأنهم جعلوا " أن " الثانية مكررة على الأولى ، واعتمدوا عليها ، إذ كان الخبر معها دون الأولى . وقد كانت بعض نحويي البصرة يختار الكسر في ذلك على الابتداء بسبب دخول الفاء فيها ، وأن دخولها فيها عنده دليل على أنها جواب الجزاء ، وأنها إذا كانت جواب الجزاء كان الاختيار فيها الابتداء . والقراء التي لا أستجيز غيرها فتح الألف في كلام الحرفين ، أعني " أن " الأولى والثانية ، لأن ذلك قراءة الأمصار ، وللعلة التي ذكرت من جهة العربية . القول في تأويل قوله تعالى : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا يقول تعالى ذكره : يخشى المنافقون أن تنزل فيهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم ، يقول : تظهر المؤمنين على ما في قلوبهم . وقيل : إن الله أنزل هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن المنافقين كانوا إذا عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا شيئا من أمره وأمر المسلمين ، قالوا : لعل الله لا يفشي سرنا فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل لهم : استهزءوا ، متهددا لهم متوعدا ، إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكرمن قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ؛ يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ قال : يقولون القول بينهم ، ثم يقولون : عسى الله أن لا يفشي سرنا علينا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله ، إلا أنه قال : سرنا هذا . وأما قوله : إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ فإنه يعني : إن الله مظهر عليكم أيها المنافقون ما كنتم تحذرون أن تظهروه ، فأظهر الله ذلك عليهم وفضحهم ، فكانت هذه السورة تدعى الفاضحة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كانت تسمى هذه السورة الفاضحة فاضحة المنافقين . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ يقول تعالى جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عما قالوا من الباطل والكذب ، ليقولن لك : إنما قلنا ذلك لعبا ، وكنا نخوض في حديث لعبا وهزوا . يقول الله لمحمد صلى الله