محمد بن جرير الطبري

108

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وإنما وصفهم الله بما وصفهم به من هذه الصفة ، لأنهم إنما أقاموا بين أظهر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كفرهم ونفاقهم وعداوتهم لهم ، ولما هم عليه من الإيمان بالله وبرسوله ؛ لأنهم كانوا في قومهم وعشيرتهم وفي دورهم وأموالهم ، فلم يقدروا على ترك ذلك وفراقه ، فصانعوا القوم بالنفاق ودافعوا عن أنفسهم وأموالهم وأولادهم ودعوى الإيمان ، وفي أنفسهم ما فيها من البغض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به والعداوة لهم ، فقال الله واصفهم بما في ضمائرهم : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ الآية وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً الملجأ : الحرز في الجبال ، والمغارات : الغيران في الجبال . وقوله : أَوْ مُدَّخَلًا والمدخل : السرب . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ملجأ ، يقول : حرزا ، أَوْ مَغاراتٍ يعني الغيران . أَوْ مُدَّخَلًا يقول : ذهابا في الأرض ، وهو النفق في الأرض ، وهو السرب . وحد محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا قال : حرزا لهم يفرون إليه منكم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا قال : محرزا لهم ، لفروا إليه منكم . وقال ابن عباس قوله : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً حرزا أو مغارات ، قال : الغيران . أَوْ مُدَّخَلًا قال : نفقا في الأرض . حدثنا بشر ، قال : ثنا : يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا يقول : لو يجدون ملجأ : حصونا ، أَوْ مَغاراتٍ غيرانا . أَوْ مُدَّخَلًا أسرابا . لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ يقول تعالى ذكره : ومن المنافقين الذين وصفت لك يا محمد صفتهم في هذه الآيات مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ يقول : يعيبك في أمرها ويطعن عليك فيها ، يقال منه : لمز فلانا يلمزه ، ويلمزه : إذا عابه وقرصه ، وكذلك همزه . ومنه قيل : فلان همزة لمزة ، ومنه قول رؤبة : قاربت بين عنقي وجمزي * في ظل عصري باطلي ولمزي ومنه قول الآخر : إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة * وأن أغيب فأنت العائب اللمزة فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا يقول : ليس بهم في عيبهم إياك فيها وطعنهم عليك بسببها الدين ، ولكن الغضب لأنفسهم ، فإن أنت أعطيتهم منها ما يرضيهم رضوا عنك ، وإن أنت لم تعطهم منهم سخطوا عليك وعابوك . وبنحو الذي قلنافي ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ قال : يروزك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ يروزك ويسألك . قال ابن جريج : وأخبرني داود بن أبي عاصم ، قال : قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة ، فقسمها هاهنا وهاهنا حتى ذهبت ، قال : ورآه رجل من الأنصار ، فقال : ما هذا بالعدل فنزلت هذه الآية . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ يقول :