محمد بن جرير الطبري
103
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
شكا في الإسلام ونفاقا ، ومن يسمع حديث المؤمنين ليخبر به المنافقين ومن يسمعه ليسر بما سر المؤمنين ويساء بما ساءهم ، لا يخفى عليه شيء من سرائر خلقه وعلانيتهم . وقد بينا معنى الظلم في غير موضع من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ يقول تعالى ذكره : لقد التمس هؤلاء المنافقون الفتنة لأصحابك يا محمد ، التمسوا صدهم عن دينهم ، وحرصوا على ردهم إلى الكفر بالتخذيل عنه ، كفعل عبد الله بن أبي بك وبأصحابك يوم أحد حين انصرف عنك بمن تبعه من قومه ، وذلك كان ابتغاءهم ما كانوا ابتغوا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتنة من قبل . ويعني بقوله : مِنْ قَبْلُ : من قبل هذا . وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ يقول : وأجالوا فيك وفي إبطال الدين الذي بعثك به الله الرأي بالتخذيل عنك ، وإنكار ما تأتيهم به ، ورده عليك . حَتَّى جاءَ الْحَقُّ يقول : حتى جاء نصر الله ، وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ يقول : وظهر دين الله الذي أمر به وافترضه على خلقه وهو الإسلام . وَهُمْ كارِهُونَ يقول : والمنافقون لظهور أمر الله ونصره إياك كارهون ، وكذلك الآن يظهرك الله ويظهر دينه على الذين كفروا من الروم وغيرهم من أهل الكفر به وهم كارهون . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكرمن قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ أي ليخذلوا عنك أصحابك ، ويردوا عليك أمرك . حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وذكر أن هذه الآية نزلت في نفر مسمين بأعيانهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عمرو ، عن الحسن ، قوله : وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ قال : منهم عبد الله بن أبي ابن سلول ، وعبد الله بن نبتل أخو بني عمرو بن عوف ، ورفاعة بن رافع ، وزيد بن التابوت القينقاعي . وكان تخذيل عبد الله بن أبي أصحابه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزاة ، كالذي : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، ويزيد بن رومان ، وعبد الله بن أبي بكر ، وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم ، كل قد حدث في غزوة تبوك ما بلغه عنها ، وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض ، وكل قد اجتمع حديثه في هذا الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لغزو الروم ، وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد ، وحين طاب الثمار وأحبت الظلال ، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وأخبر أنه يريد غير الذي يصمد له ، إلا ما كان من غزوة تبوك ، فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي صمد له ليتأهب الناس لذلك أهبته . فأمر الناس بالجهاد ، وأخبرهم أنه يريد الروم ، فتجهز الناس على ما في أنفسهم من الكره لذلك الوجه لما فيه ، مع ما عظموا من ذكر الروم وغزوهم . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره ، فأمر الناس بالجهاز والانكماش ، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله . فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثنية الوداع ، وضرب عبد الله بن أبي ابن سلول عسكره على ذي حدة أسفل منه نحو ذباب جبل بالجبانة أسفل من ثنية الوداع وكان فيما يزعمون ليس