محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

نحويي الكوفة : قيل : يا ابن أم ويا ابن عم ، فنصب كما ينصب المعرب في بعض الحالات ، فيقال : يا حسرتا ، يا ويلتا ، قال : فكأنهم قالوا : يا أماه ويا عماه ولم يقولوا ذلك في أخ ، ولو قيل ذلك لكان صوابا . قال : والذين خفضوا ذلك فإنه كثر في كلامهم حتى حذفوا الياء . قال : ولا تكاد العرب تحذف الياء إلا من الاسم المنادى يضيفه المنادي إلى نفسه ، إلا قولهم : يا ابن أم ، ويا ابن عم ؛ وذلك أنهما يكثر استعمالهما في كلامهم ، فإذا جاء ما لا يستعمل أثبتوا الياء ، فقالوا : يا ابن أبي ، ويا ابن أختي وأخي ، ويا ابن خالتي ، ويا ابن خالي . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إذا فتحت الميم من " ابن أم " ، فمراد به الندبة : يا ابن أماه ، وكذلك من ابن عم ؛ فإذا كسرت ، فمراد به الإضافة ، ثم حذفت الياء التي هي كناية اسم المخبر عن نفسه . وكأن بعض من أنكر نسبته كسر ذلك إذا كسر ، ككسر الزاي من خاز باز ، لأن خاز باز لا يعرف الثاني إلا بالأول ولا الأول إلا بالثاني ، فصار كالأصوات . وحكي عن يونس النحوي تأنيث أم وتأنيث عم ، وقال : لا يجعل اسما واحدا إلا مع ابن المذكر . قالوا : وأما اللغة الجيدة والقياس الصحيح فلغة من قال : " يا ابن أمي " بإثبات الياء ، كما قال أبو زبيد : يا بن أمي ويا شقيق نفسي * أنت خلقتني لدهر شديد وكما قال الآخر : يا بن أمي ولو شهدتك إذ تد * عو تميما وأنت غير مجاب وإنما أثبت هؤلاء الياء في الأم لأنها غير مناداة ، وإنما المنادى هو الابن دونها ، وإنما تسقط العرب الياء من المنادى إذا أضافته إلى نفسها ، لا إذا أضافته إلى غير نفسها ، كما قد بينا . وقيل : إن هارون إنما قال لموسى عليه السلام : " يا ابن أم " ، ولم يقل : " يا ابن أبي " ، وهما لأب واحد وأم واحدة ، استعطافا له على نفسه برحم الأم . وقوله : إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي يعني بالقوم الذين عكفوا على عبادة العجل ، وقالوا هذا إلهنا وإله موسى ، وخالفوا هارون . وكان استضعافهم إياه ، تركهم طاعته واتباع أمره . وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي يقول : قاربوا ولم يفعلوا . واختلفت القراء في قراءة قوله : فَلا تُشْمِتْ فقرأ قراء الأمصار ذلك : فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ بضم التاء من تشمت وكسر الميم منها ، من قولهم : أشمت فلان فلانا بفلان ، إذا سره فيه بما يكرهه المشمت به . وروي عن مجاهد أنه قرأ ذلك : " فلا تشمت بي الأعداء " . حدثني بذلك عبد الكريم ، قال : ثنا إبراهيم بن بشار ، قال : ثنا سفيان ، قال : قال حميد بن قيس ، قرأ مجاهد : " فلا تشمت بي الأعداء " . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة ، عن حميد ، قال : قرأ مجاهد : " فلا تشمت بي الأعداء " . حدثت عن يحيى بن زياد الفراء ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ، عن رجل ، عن مجاهد أنه قال : فَلا تُشْمِتْ وقال الفراء : قال الكسائي : ما أدرى ، فلعلهم أرادوا : فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ فإن تكن صحيحة فلها نظائر . العرب تقول : فرغت وفرغت ، فمن قال : فرغت قال : أنا أفرغ ، ومن قال : فرغت قال : أنا أفرغ ، وكذلك ركبت وركنت وشملهم أمر وشملهم ، في كثير من الكلام . قال : " والأعداء " رفع لأن الفعل لهم لمن قال تشمت أو تشمت . والقراءة التي لا أستجيز القراءة إلا بها قراءة من قرأ : فَلا تُشْمِتْ بضم التاء الأولى وكسر الميم من أشمت به عدوه أشمته به ، ونصب الأعداء لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليها وشذوذ ما خالفها من القراءة ، وكفى بذلك شاهدا على ما خالفها . هذا مع إنكار معرفة عامة أهل العلم بكلام العرب : شمت فلان فلانا بفلان ، وشمت فلان بفلان يشمت به ، وإنما المعروف من كلامهم إذا أخبروا عن شماتة الرجل بعدوه شمت به بكسر الميم يشمت به بفتحها في الاستقبال .