محمد بن جرير الطبري
41
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بالمنهي عنه . القول في تأويل قوله تعالى : سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ يقول تعالى ذكره لموسى إذ كتب في الألواح من كل شيء : خذها بجد في العمل بما فيها واجتهاد ، وأمر قومك يأخذوا بأحسن ما فيها ، وانههم عن تضييعها وتضييع العمل بما فيها والشرك بي ، فإن من أشرك بي منهم ومن غيرهم ، فإني سأريه في الآخرة عند مصيره إلي دار الفاسقين ، وهي نار الله التي أعدها لأعدائه . وإنما قال : سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ كما يقول القائل لمن يخاطبه : سأريك غدا إلام يصير إليه حال من خالف أمري على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره . وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثني عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ قال : مصيرهم في الآخرة . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا مسلم ، قال : ثنا مبارك ، عن الحسن ، في قوله : سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ قال : جهنم . وقال آخرون : معنى ذلك : سأدخلكم أرض الشام ، فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الجبابرة والعمالقة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ منازلهم . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : دارَ الْفاسِقِينَ قال : منازلهم . وقال آخرون : معنى ذلك : سأريكم دار قوم فرعون ، وهي مصر . ذكر من قال ذلك : . . . وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في تأويل ذلك ، لأن الذي قبل قوله جل ثناؤه : سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ أمر من الله لموسى وقومه بالعمل بما في التوراة ، فأولى الأمور بحكمة الله تعالى أن يختم ذلك بالوعيد على من ضيعه وفرط في العمل لله وحاد عن سبيله ، دون الخبر عما قد انقطع الخبر عنه أو عما لم يجر له ذكر . القول في تأويل قوله تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معناه : سأنزع عنهم فهم الكتاب . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن منصور المروزي ، قال : ثني محمد بن عبد الله بن بكر ، قال : سمعت ابن عيينة يقول في قول الله : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ قال : يقول : أنزع عنهم فهم القرآن ، وأصرفهم عن آياتي . وتأويل ابن عيينة هذا يدل على أن هذا الكلام كان عنده من الله وعيدا لأهل الكفر بالله ممن بعث إليهم نبينا صلى الله عليه وسلم دون قوم موسى ، لأن القرآن إنما أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم دون موسى عليه السلام . وقال آخرون في ذلك : معناه : سأصرفهم عن الاعتبار بالحجج . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ عن خلق السماوات والأرض والآيات فيها ، سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر أنه سيصرف عن آياته ، وهي أدلته وأعلامه على حقية ما أمر به عباده وفرض عليهم من طاعته في توحيده وعدله وغير ذلك من فرائضه ، والسماوات والأرض ، وكل موجود من خلقه فمن آياته ، والقرآن أيضا من آياته . وقد عم بالخبر أنه يصرف عن آياته المتكبرين في الأرض بغير الحق ، وهم الذين حقت عليهم كلمة الله أنهم لا يؤمنون ، فهم عن فهم جميع آياته والاعتبار والادكار بها مصروفون ؛