محمد بن جرير الطبري
35
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إياه حين طمع في رؤيته ، وطلب ذلك منه ، ورد عليه ربه منه ما رد ، أن موسى كان تطهر وطهر ثيابه وصام للقاء ربه ؛ فلما أتى طور سينا ، ودنا الله له في الغمام فكلمه ، سبحه وحمده وكبره وقدسه ، مع تضرع وبكاء حزين ، ثم أخذ في مدحته ، فقال : رب ما أعظمك وأعظم شأنك كله ، من عظمتك أنه لم يكن شيء من قبلك ، فأنت الواحد القهار ، كان عرشك تحت عظمتك نار توقد لك ، وجعلت سرادق من دونه سرادق من نور ، فما أعظمك رب ، وأعظم ملكك ، جعلت بينك وبين ملائكتك مسيرة خمسمائة عام ، فما أعظمك رب وأعظم ملكك في سلطانك ، فإذا أردت شيئا تقضيه في جنودك الذين في السماء ، أو الذين في الأرض ، وجنودك الذين في البحر ، بعثت الريح من عندك لا يراها شيء من خلقك إلا أنت إن شئت ، فدخلت في جوف من شئت من أنبيائك ، فبلغوا لما أردت من عبادك ، وليس أحد من ملائكتك يستطيع شيئا من عظمتك ، ولا من عرشك ، ولا يسمع صوتك ، فقد أنعمت علي ، وأعظمت علي في الفضل ، وأحسنت إلي كل الإحسان ، عظمتني في أمم الأرض ، وعظمتني عند ملائكتك ، وأسمعتني صوتك ، وبذلت لي كلامك ، وآتيتني حكمتك ، فإن أعد نعماك لا أحصيها ، وإن أردت شكرك لا أستطيعها . دعوتك رب على فرعون بالآيات العظام ، والعقوبة الشديدة ، فضربت بعصاي التي في يدي البحر ، فانفلق لي ولمن معي ، ودعوتك حين جزت البحر ، فأغرقت عدوك وعدوي ، وسألتك الماء لي ولأمتي ، فضربت بعصاي التي في يدي الحجر ، فمنه أرويتني وأمتي ، وسألتك لأمتي طعاما لم يأكله أحد كان قبلهم ، فأمرتني أن أدعوك من قبل المشرق ، ومن قبل المغرب . فناديتك من شرقي أمتي ، فأعطيتهم المن من مشرقي لنفسي ، وآتيتهم السلوى من غربيهم من قبل البحر ، واشتكيت الحر فناديتك ، فظللت عليهم بالغمام ، فما أطيق نعماك علي أن أعدها ولا أحصيها ، وإن أردت شكرها لا أستطيعها . فجئتك اليوم راغبا طالبا سائلا متضرعا ، لتعطيني ما منعت غيري ، أطلب إليك وأسالك يا ذا العظمة والعزة والسلطان أن تريني أنظر إليك ، فإني قد أحببت أن أرى وجهك الذي لم يره شيء من خلقك . قال له رب العزة : فلا ترى يا ابن عمران ما تقول ؟ تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق ، لا يراني أحد فيحيا ، أليس في السماوات معمري ، فإنهن قد ضعفن أن يحملن عظمتي ، وليس في الأرض معمري ، فإنها قد ضعفت أن تسع بجندي ، فلست في مكان واحد فأتجلى لعين تنظر إلي . قال موسى : يا رب أن أراك وأموت ، أحب إلي من أن لا أراك ولا أحيا ، قال له رب العزة : يا ابن عمران تكلمت بكلام هو أعظم من سائر الخلق ، لا يراني أحد فيحيا . قال : رب تمم علي نعماك ، وتمم علي فضلك ، وتمم علي إحسانك هذا الذي سألتك ليس لي أن أراك فأقبض ، ولكن أحب أن أراك فيطمئن قلبي . قال له : يا ابن عمران لن يراني أحد فيحيا . قال : موسى رب تمم علي نعماك وفضلك ، وتمم علي إحسانك هذا الذي سألتك ليس لي أن أراك فأموت على أثر ذلك أحب إلي من الحياة ، فقال الرحمن المترحم على خلقه : قد طلبت يا موسى ، وأعطيتك سؤلك إن استطعت أن تنظر إلي ، فاذهب فاتخذ لوحين ، ثم انظر إلى الحجر الأكبر في رأس الجبل ، فإن ما وراءه وما دونه مضيق لا يسع إلا مجلسك يا ابن عمران ، ثم انظر فإني أهبط إليك وجنودي من قليل وكثير . ففعل موسى كما أمره ربه ، نحت لوحين ثم صعد بهما إلى الجبل ، فجلس على الحجر : فلما استوى عليه ، أمر الله جنوده الذين في السماء الدنيا ، فقال : ضعي أكنافك حول الجبل ، فسمعت ما قال الرب ففعلت أمره ، ثم أرسل الله الصواعق