محمد بن جرير الطبري
27
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ولقومي عظة ، ولمن بعدهم آية في الأمم الباقية قال : فبعث الله عليهم الجراد فلم يدع لهم ورقة ولا شجرة ولا زهرة ولا ثمرة إلا أكلها ، حتى لم يبق جنى . حتى إذا أفنى الخضر كلها أكل الخشب ، حتى أكل الأبواب ، وسقوف البيوت وابتلى الجراد بالجوع ، فجعل لا يشبع ، غير أنه لا يدخل بيوت بني إسرائيل . فعجوا وصاحوا إلى موسى ، فقالوا : يا موسى هذه المرة ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز ، لنؤمنن لك ، ولنرسلن معك بني إسرائيل فأعطوه عهد الله وميثاقه ، فدعا لهم ربه ، فكشف الله عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام ، من السبت إلى السبت . ثم أقاموا شهرا في عافية ، ثم عادوا لتكذيبهم ولإنكارهم ، ولأعمالهم أعمال السوء ، قال : فقال موسى : يا رب عبادك قد نقضوا عهدي وأخلفوا موعدي ، فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ، ولقومي عظة ، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية فأرسل الله عليهم القمل قال أبو بكر : سمعت سعيد بن جبير والحسن يقولان : كان إلى جنبهم كثيب أعفر بقرية من قرى مصر تدعى عين شمس ، فمشى موسى إلى ذلك الكثيب ، فضربه بعصاه ضربة صار قملا تدب إليهم ، وهي دواب سود صغار ، فدب إليهم القمل ، فأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ، ولزم جلودهم ، كأنه الجدري عليهم ، فصرخوا وساحوا إلى موسى : إنا نتوب ولا نعود ، فادع لنا ربك فدعا ربه فرفع عنهم القمل بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت ، فأقاموا شهرا في عافية ، ثم عادوا وقالوا : ما كنا قط أحق أن نستيقن أنه ساحر منا اليوم ، جعل الرمل دواب ، وعزة فرعون لا نصدقه أبدا ولا نتبعه فعادوا لتكذيبهم وإنكارهم ، فدعا موسى عليهم ، فقال : يا رب إن عبادك نقضوا عهدي ، وأخلفوا وعدي ، فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ، ولقومي عظة ، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية فأرسل الله عليهم الضفادع ، فكان أحدهم يضطجع ، فتركبه الضفادع . فتكون عليه ركاما ، حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى الشق الآخر ، ويفتح فاه لأكلته ، فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه ، ولا يعجن عجينا إلا تسدخت فيه ، ولا يطبخ قدرا إلا امتلأت ضفادع . فعذبوا بها أشد العذاب ، فشكوا إلى موسى عليه السلام ، وقالوا : هذه المرة نتوب ولا نعود . فأخذ عهدهم وميثاقهم ، ثم دعا ربه ، فكشف الله عنهم الضفادع بعد ما أقام عليهم سبعا من السبت إلى السبت ، فأقاموا شهرا في عافية ثم عادوا لتكذيبهم وإنكارهم ، وقالوا : قد تبين لكم سحره ، ويجعل التراب دواب ، ويجيء بالضفادع في غير ماء فآذوا موسى عليه السلام ، فقال موسى : يا رب إن عبادك نقضوا عهدي ، وأخلفوا وعدي ، فخذهم بعقوبة تجعلها لهم عقوبة ، ولقومي عظة ، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية فابتلاهم الله بالدم ، فأفسد عليهم معايشهم ، فكان الإسرائيلي والقبطي يأتيان النيل فيستقيان ، فيخرج للإسرائيلي ماء ، ويخرج للقبطي دما ، ويقومان إلى الجب فيه الماء ، فيخرج للإسرائيلي في إنائه ماء ، وللقبطي دما . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا ابن سعد ، قال : سمعت مجاهد ا ، في قوله : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ قال : الموت والجراد . قال : الجراد يأكل أمتعتهم وثيابهم ومسامير أبوابهم ، والقمل هو الدبى ، سلطه الله عليهم بعد الجراد . قال : والضفادع تسقط في أطعمتهم التي في بيوتهم وفي أشربتهم . وقال بعضهم : الدم الذي أرسله الله عليهم كان رعافا . ذكر من قال ذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا أحمد بن خالد ، قال : ثنا يحيى بن أبي بكير ، قال : ثنا زهير ، قال : قال زيد بن أسلم : أما القمل فالقمل ؛ وأما الدم : فسلط عليهم الرعاف . وأما قوله : آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فإن معناه : علامات ودلالات على صحة نبوة