محمد بن جرير الطبري
97
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذلك من الكلام . وقال بعض من روى : " أبى جوده لا البخل " بمعنى : كلمة البخل ، لأن " لا " هي كلمة البخل ، فكأنه قال : كلمة البخل . وقال بعضهم : معنى المنع : الحول بين المرء وما يريده ، قال : والممنوع مضطر به إلى خلاف ما منع منه ، كالممنوع من القيام وهو يريده ، فهو مضطر من الفعل إلى ما كان خلافا للقيام ، إذ كان المختار للفعل هو الذي له السبيل إليه وإلى خلافه ، فيؤثر أحدهما على الآخر فيفعله ؛ قال : فلما كانت صفة المنع ذلك ، فخوطب إبليس بالمنع ، فقيل له : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ كان معناه : كأنه قيل له : أي شيء اضطرك إلى أن لا تسجد . قال أبو جعفر : والصواب عندي من القول في ذلك أن يقال : إن في الكلام محذوفا قد كفى دليل الظاهر منه ، وهو أن معناه : ما منعك من السجود فأحوجك أن لا تسجد ؟ فترك ذكر أحوجك استغناء بمعرفة السامعين . قوله : إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ أن ذلك معنى الكلام من ذكره ، ثم عمل قوله ؛ ما مَنَعَكَ في أن ما كان عاملا فيه قبل أحوجك لو ظهر إذ كان قد ناب عنه . وإنما قلنا إن هذا القول أولى بالصواب لما قد مضى من دلالتنا قبل على أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله شيء لا معنى له ، وأن لكل كلمة معنى صحيحا ، فتبين بذلك فساد قول من قال " لا " في الكلام حشو لا معنى لها . وأما قول من قال : معنى المنع هاهنا : القول ، فلذلك دخلت " لا " مع " أن " ، فإن المنع وإن كان قد يكون قولا وفعلا ، فليس المعروف في الناس استعمال المنع في الأمر بترك الشيء ، لأن المأمور بترك الفعل إذا كان قادرا على فعله وتركه ففعله لا يقال فعله وهو ممنوع من فعله إلا على استكراه للكلام ؛ وذلك أن المنع من الفعل حول بينه وبينه ، فغير جائز أن يكن وهو محول بينه وبينه فاعلا له ، لأنه إن جاز ذلك وجب أن يكون محولا بينه وبينه لا محولا وممنوعا لا ممنوعا وبعد ، فإن إبليس لم يأتمر لأمر الله تعالى بالسجود لآدم كبرا ، فكيف كان يأتمر لغيره في ترك أمر الله وطاعته بترك السجود لآدم ، فيجوز أن يقال له : أي شيء قال لك لا تسجد لآدم إذ أمرتك بالسجود له ؟ ولكن معناه إن شاء الله ما قلت : ما منعك من السجود له ، فأحوجك ، أو فأخرجك ، أو فاضطرك إلى أن لا تسجد له على ما بينت . وأما قوله : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن جواب إبليس إياه إذ سأله : ما الذي منعه من السجود لآدم ، فأحوجه إلى أن لا يسجد له ، واضطره إلى خلافه أمره به وتركه طاعته ؛ أن المانع كان له من السجود والداعي له إلى خلافه أمر ربه في ذلك أنه أشد منه أيدا وأقوى منه قوة وأفضل منه فضلا ، لفضل الجنس الذي منه خلق وهو النار ، من الذي خلق منه آدم وهو الطين ؛ فجهل عدو الله وجه الحق ، وأخطأ سبيل الصواب ، إذ كان معلوما أن من جوهر النار : الخفة والطيش والاضطراب والارتفاع علوا ، والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حمل الخبيث بعد الشقاء الذي سبق له من الله في الكتاب السابق على الاستكبار عن السجود لآدم والاستخفاف بأمر ربه ، فأورثه العطب والهلاك ، وكان معلوما أن من جوهر الطين : الرزانة والأناة والحلم والحياء والتثبت ، وذلك الذي في جوهره من ذلك كان الداعي لآدم بعد السعادة التي كانت سبقت له من ربه في الكتاب السابق إلى التوبة من خطيئته ، ومسألته ربه العفو عنه والمغفرة ؛ ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان : " أول من قاس إبليس " ، يعنيان بذلك :