محمد بن جرير الطبري
92
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذلك ميزان يوزن به الأعمال على ما وصفت . فإن أنكر ذلك جاهل بتوجيه معنى خبر الله عن الميزان وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم عنه وجهته ، وقال : أو بالله حاجة إلى وزن الأشياء ، وهو العالم بمقدار كل شيء قبل خلقه إياه وبعده وفي كل حال ، أو قال : وكيف توزن الأعمال ، والأعمال ليست بأجسام توصف بالثقل والخفة ، وإنما توزن الأشياء ليعرف ثقلها من خفتها وكثرتها من قلتها ، وذلك لا يجوز إلا على الأشياء التي توصف بالثقل والخفة والكثرة والقلة ؟ قيل له في قوله : " وما وجه وزن الله الأعمال وهو العالم بمقاديرها قبل كونها " : وزن ذلك نظير إثباته إياه في أم الكتاب ، واستنساخه ذلك في الكتاب من غير حاجة به إليه ومن غير خوف من نسيانه ، وهو العالم بكل ذلك في كل حال ووقت قبل كونه وبعد وجوده ، بل ليكون ذلك حجة على خلقه ، كما قال جل ثناؤه في تنزيله : كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ الآية ، فكذلك وزنه تعالى أعمال خلقه بالميزان حجة عليهم ولهم ، إما بالتقصير في طاعته والتضييع وإما بالتكميل والتتميم . وأما وجه جواز ذلك ، فإنه كما : حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا جعفر بن عون ، قال : ثنا عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : يؤتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان ، فيوضع في الكفة ، فيخرج له تسعة وتسعون سجلا فيها خطاياه وذنوبه . قال : ثم يخرج له كتاب مثل الأنملة ، فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم . قال : فتوضع في الكفة فترجح بخطاياه وذنوبه . فكذلك وزن الله أعمال خلقه بأن يوضع العبد وكتب حسناته في كفة من كفتي الميزان ، وكتب سيئاته في الكفة الأخرى ، ويحدث الله تبارك وتعالى ثقلا وخفة في الكفة التي الموزون بها أولى احتجاجا من الله بذلك على خلقه كفعله بكثير منهم من استنطاق أيديهم وأرجلهم ، استشهادا بذلك عليهم ، وما أشبه ذلك من حججه . ويسئل من أنكر ذلك ، فيقال له : إن الله أخبرنا تعالى ذكره أنه يثقل موازين قوم في القيامة ويخفف موازين آخرين ، وتظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحقيق ذلك ، فما الذي أوجب لك إنكار الميزان أن يكون هو الميزان الذي وصفنا صفته الذي يتعارفه الناس ؟ أحجة عقل ؟ فقد يقال : وجه صحته من جهة العقل ، وليس في وزن الله جل ثناؤه خلقه وكتب أعمالهم ، لتعريفهم أثقل القسمين منها بالميزان خروج من حكمة ، ولا دخول في جور في قضية ، فما الذي أحال ذلك عندك من حجة أو عقل أو خبر ؟ إذ كان لا سبيل إلى حقيقة القول بإفساد ما لا يدفعه العقل إلا من أحد الوجهين اللذين ذكرت ولا سبيل إلى ذلك . وفي عدم البرهان على صحة دعواه من هذين الوجهين وضوح فساد قوله وصحة ما قاله أهل الحق في ذلك . وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في هذا المعنى على من أنكر الميزان الذي وصفنا صفته ، إذ كان قصدنا في هذا الكتاب البيان عن تأويل القرآن دون غيره ، ولولا ذلك لقرنا إلى ما ذكرنا نظائره ، وفي الذي ذكرنا من ذلك كفاية لمن وفق لفهمه إن شاء الله . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ يقول جل ثناؤه : ومن خفت موازين أعماله الصالحة فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله والإيمان به وبرسوله واتباع