محمد بن جرير الطبري
88
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كقولهم : زرتني فأكرمتني إذ كانت الزيارة هي الكرامة ، فسواء عندهم قدم الزيارة وأخر الكرامة ، أو قدم الكرامة وأخر الزيارة فقال : أكرمتني فزرتني . وكان بعض أهل العربية يزعم أن في الكلام محذوفا ، لولا ذلك لم يكن الكلام صحيحا ، وأن معنى ذلك : وكم من قرية أهلكناها ، فكان مجيء بأسنا إياها قبل إهلاكنا . وهذا قول لا دلالة على صحته من ظاهر التنزيل ولا من خبر يجب التسليم له ، وإذا خلا القول من دلالة على صحته من بعض الوجوه التي يجب التسليم لها كان بينا فساده . وقال آخر منهم أيضا : معنى الفاء في هذا الموضع معنى الواو ، وقال : تأويل الكلام : وكم من قرية أهلكناها وجاءها بأسنا بياتا . وهذا قول لا معنى له ، إذ كان للفاء عند العرب من الحكم ما ليس للواو في الكلام ، فصرفها إلى الأغلب من معناها عندهم ما وجد إلى ذلك سبيل أولى من صرفها إلى غيره . فإن قال : كيف قيل : فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ، وقد علمت أن الأغلب من شأن " أو " في الكلام اجتلاب الشك ، وغير جائز أن يكون في خبر الله شك ؟ قيل : إن تأويل ذلك خلاف ما إليه ذهبت ، وإنما معنى الكلام : وكم من قرية أهلكناها فجاء بعضها بأسنا بياتا ، وبعضها وهم قائلون . ولو جعل مكان " أو " في هذا الموضع الواو لكان الكلام كالمحال ، ولصار الأغلب من معنى الكلام : إن القرية التي أهلكها الله جاءها بأسه بياتا ، وفي وقت القائلة ؛ وذلك خبر عن البأس أنه أهلك من قد هلك وأفنى من قد فني ، وذلك من الكلام خلف ؛ ولكن الصحيح من الكلام هو ما جاء به التنزيل ، إذ لم يفصل القرى التي جاءها البأس بياتا من القرى التي جاءها ذلك قائلة ، ولو فصلت لم يخبر عنها إلا بالواو . وقيل : " فجاءها بأسنا " خبرا عن القرية أن البأس أتاها ، وأجرى الكلام على ما أبتدئ به في أول الآية ؛ ولو قيل : فجاءهم بأسنا بياتا لكان صحيحا فصيحا ردا للكلام إلى معناه ، إذ كان البأس إنما قصد به سكان القرية دون بنيانها ، وإن كان قد نال بنيانها ومساكنها من البأس بالخراب نحو من الذي نال سكانها . وقد رجع في قوله : أَوْ هُمْ قائِلُونَ إلى خصوص الخبر عن سكانها دون مساكنها لما وصفنا من أن المقصود بالبأس كان السكان وإن كان في هلاكهم هلاك مساكنهم وخرابها . ولو قيل : " أو هي قائلة " . كان صحيحا إذ كان السامعون قد فهموا المراد من الكلام . فإن قال قائل : أو ليس قوله : أَوْ هُمْ قائِلُونَ خبرا عن الوقت الذي أتاهم فيه بأس الله من النهار ؟ قيل : بلى . فإن قال : أوليس المواقيت في مثل هذا تكون في كلام العرب بالواو الدال على الوقت ؟ قيل : إن ذلك وإن كان كذلك ، فإنهم قد يحذفون من مثل هذا الموضع استثقالا للجمع بين حرفي عطف ، إذ كان " أو " عندهم من حروف العطف ، وكذلك الواو ، فيقولون : لقيتني مملقا أو أنا مسافر ، بمعنى : أو وأنا مسافر ، فيحذفون الواو وهم مريدوها في الكلام لما وصفت . القول في تأويل قوله تعالى : فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ يقول تعالى ذكره : فلم يكن دعوى أهل القرية التي أهلكناها إذ جاءهم بأسنا وسطوتنا بياتا أو هم قائلون ، إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا إلى أنفسهم مسيئين وبربهم آثمين ولأمره ونهيه مخالفين . وعنى بقوله جل ثناؤه : دَعْواهُمْ في هذا الموضع دعاءهم . وللدعوى في كلام العرب وجهان : أحدهما الدعاء ؛ والآخر الادعاء للحق . ومن الدعوى التي معناها الدعاء قول الله تبارك وتعالى :