محمد بن جرير الطبري
6
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ما غر الإنسان فخدعه فصده عن الصواب إلى الخطأ ومن ألحق إلى الباطل . وهو مصدر من قول القائل : غررت فلانا بكذا وكذا ، فأنا أغره غرورا وغرا . كالذي : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : غُرُوراً قال : يغرون به الناس والجن . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ يقول تعالى ذكره : ولو شئت يا محمد أن يؤمن الذين كانوا لأنبيائي أعداء من شياطين الإنس والجن فلا ينالهم مكرهم ويأمنوا غوائلهم وأذاهم ، فعلت ذلك ؛ ولكني لم أشأ ذلك لأبتلي بعضهم ببعض فيستحق كل فريق منهم ما سبق له في الكتاب السابق . فَذَرْهُمْ يقول : فدعهم ، يعني الشياطين الذين يجادلونك بالباطل من مشركي قومك ويخاصمونك بما يوحي إليهم أولياؤهم من شياطين الإنس والجن ، وَما يَفْتَرُونَ يعني : وما يختلقون من إفك وزور ، يقول له صلى الله عليه وسلم : اصبر عليهم فإني من وراء عقابهم على افترائهم على الله واختلافهم عليه الكذب والزور . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ يقول تعالى ذكره وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلِتَصْغى إِلَيْهِ يقول جل ثناؤه : يوحي بعض هؤلاء الشياطين إلى بعض المزين من القول بالباطل ، ليغروا به المؤمنين من أتباع الأنبياء ، فيفتنوهم عن دينهم ؛ وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يقول : ولتميل إليه قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة . وهو لتصغى من صغوت تصغى وتصغو ، والتنزيل جاء بتصغى صغوا وصغوا ، وبعض العرب يقول صغوت بالياء ؛ حكي عن بعض بني أسد : صغيت إلى حديثه ، فأنا أصغى صغيا بالياء ، وذلك إذا ملت ، يقال : صغوي معك : إذا كان هواك معه وميلك ، مثل قولهم : ضلعي معك ، ويقال : أصغيت الإناء : إذا أملته ليجتمع ما فيه ؛ ومنه قول الشاعر : ترى السفيه به عن كل محكمة * زيغ وفيه إلى التشبيه إصغاء ويقال للقمر إذا مال للغيوب : صغا وأصغى . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ يقول : تزيغ إليه أفئدة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس ، في قوله : وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قال : لتميل . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يقول : تميل إليه قلوب الكفار ويحبونه ويرضون به . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قال : ولتصغى : وليهووا ذلك وليرضوه ، قال : يقول الرجل للمرأة : صغيت إليها : هويتها . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ . يقول تعالى ذكره : وليكتسبوا من الأعمال ما هم مكتسبون . حكي عن العرب سماعا منها : خرج يقترف لأهله ، بمعنى يكسب لهم ، ومنه قيل : قارف فلان هذا الأمر : إذا واقعه وعمله . وكان بعضهم يقول : هو التهمة والادعاء ، يقال للرجل : أنت قرفتني :