محمد بن جرير الطبري
37
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
دون إناثهم ، كما فعل ذلك بالراوية والنسابة والعلامة ، إذا أريد بها المبالغة في وصف من كان ذلك من صفته ، كما يقال : فلان خالصة فلان وخلصانه . وأما قوله : وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا فإن أهل التأويل اختلفوا في المعني بالأزواج ، فقال بعضهم : عنى بها النساء . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا قال : النساء . وقال آخرون : بل عنى بالأزواج البنات . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا قال : الأزواج : البنات . وقالوا : ليس للبنات منه شيء . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله أخبر عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يقولون لما في بطون هذه الأنعام ، يعني أنعامهم : هذا محرم على أزواجنا . والأزواج إنما هي نساؤهم في كلامهم ، وهن لا شك بنات من هن أولاده ، وحلائل من هن أزواجه . وفي قول الله عز وجل : وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا الدليل الواضح على أن تأنيث " الخالصة " كان لما وصفت من المبالغة في وصف ما في بطون الأنعام بالخلوصة للذكور ، لأنه لو كان لتأنيث الأنعام لقيل : ومحرمة على أزواجنا ، ولكن لما كان التأنيث في الخالصة لما ذكرت ، ثم لم يقصد في المحرم ما قصد في الخالصة من المبالغة ، رجع فيها إلى تذكير " ما " ، واستعمال ما هو أولى به من صفته . وأما قوله : وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ فاختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه يزيد بن القعقاع وطلحة بن مصرف في آخرين : " وإن تكن يكن ميتة " بالتاء في " تكن " ورفع " ميتة " ، غير أن يزيد كان يشدد الياء من ميتة ، ويخففها طلحة . حدثني بذلك المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي حماد ، قال : ثنا عيسى ، عن طلحة بن مصرف . وحدثنا أحمد بن يوسف ، عن القاسم ، وإسماعيل بن جعفر ، عن يزيد . وقرأ ذلك بعض قراء المدينة والكوفة والبصرة : وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً بالياء وميتة بالنصب وتخفيف الياء . وكأن من قرأ : وَإِنْ يَكُنْ بالياء مَيْتَةً بالنصب ، أرادوا إن يكن ما في بطون تلك الأنعام ، فذكر " يكن " لتذكير " ما " ، ونصب " الميتة " لأنه خبر " يكن " . وأما من قرأ : " وإن تكن ميته " فإنه إن شاء الله أراد وإن يكن ما في بطونها ميتة ، فأنث " تكن " لتأنيث " ميتة " . وقوله : فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ فإنه يعني أن الرجال وأزواجهم شركاء في أكله لا يحرمونه على أحد منهم ، كما ذكرنا عمن ذكرنا ذلك عنه قبل من أهل التأويل . وكان ابن زيد يقول في ذلك ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ قال : تأكل النساء مع الرجال ، إن كان الذي يخرج من بطونها ميتة فهم فيه شركاء ، وقالوا : إن شئنا جعلنا للبنات فيه نصيبا وإن شئنا لم نجعل . وظاهر التلاوة بخلاف ما تأوله ابن زيد ، لأن ظاهرها يدل على أنهم قالوا : إن لم يكن ما في بطونها ميتة ، فنحن فيه شركاء بغير شرط مشيئة . وقد زعم ابن زيد أنهم جعلوا ذلك إلى مشيئتهم . القول في تأويل قوله تعالى : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . يقول جل ثناؤه : سيجزي : أي سيثيب ويكافئ هؤلاء المفترين عليه الكذب في تحريمهم ما لم يحرمه الله ، وتحليلهم ما لم يحلله الله ، وإضافتهم كذبهم في ذلك إلى الله . وقوله : وَصْفَهُمْ يعني بوصفهم الكذب على الله ، وذلك كما قال جل ثناؤه في موضع آخر من كتابه : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ والوصف والصفة في كلام العرب واحد ، وهما مصدران مثل الوزن والزنة . وبنحو الذي قلنا في معنى " الوصف "