محمد بن جرير الطبري
28
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الله ، لأن ذلك هو المعروف في الخطاب دون غيره . القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ . وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن قول مشركي الجن والإنس عند تقريعه إياهم بقوله لهم أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أنهم يقولون شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا بأن رسلك قد أتتنا بآياتك ، وأنذرتنا لقاء يؤمنا هذا ، فكذبناها وجحدنا رسالتها ، ولم نتبع آياتك ولم نؤمن بها . قال الله خبرا مبتدأ : وغرت هؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام وأولياءهم من الجن ، الْحَياةُ الدُّنْيا يعني : زينة الحياة الدنيا وطلب الرياسة فيها والمنافسة عليها ، أن يسلموا لأمر الله فيطيعوا فيها رسله ، فاستكبروا وكانوا قوما عالين . فاكتفى بذكر الحياة الدنيا من ذكر المعاني التي غرتهم وخدعتهم فيها ، إذ كان في ذكرها مكتفى عن ذكر غيرها لدلالة الكلام على ما ترك ذكره ، يقول الله تعالى : وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ يعني هؤلاء العادلين به يوم القيامة أنهم كانوا في الدنيا كافرين به وبرسله ، لتتم حجة الله عليهم بإقرارهم على أنفسهم بما يوجب عليهم عقوبته وأليم عذابه . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ يقول تعالى ذكره : ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ أي إنما أرسلنا الرسل يا محمد إلى من وصفت أمره ، وأعلمتك خبره من مشركي الإنس والجن يقصون عليهم آياتي وينذرونهم لقاء معادهم إلي ، من أجل أن ربك لم يكن مهلك القرى بظلم . وقد يتجه من التأويل في قوله : بِظُلْمٍ وجهان : أحدهما : ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ أي بشرك من أشرك ، وكفر من كفر من أهلها ، كما قال لقمان : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . وَأَهْلُها غافِلُونَ يقول : لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسلا تنبههم على حجج الله عليهم ، وتنذرهم عذاب الله يوم معادهم إليه ، ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير . والآخر : ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ يقول : لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر ، فيظلمهم بذلك ، والله غير ظلام للعبيد . وأولى القولين بالصواب عندي القول الأول ، أن يكون معناه : أن لم يكن ليهلكهم بشركهم دون إرسال الرسل إليهم والإعذار بينه وبينهم ، وذلك أن قوله : ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ عقيب قوله : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فكان في ذلك الدليل الواضح على أن نص قوله : ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ إنما هو إنما فعلنا ذلك من أجل أنا لا نهلك القرى بغير تذكير وتنبيه . وأما قوله : ذلِكَ فإنه يجوز أن يكون نصبا ، بمعنى : فعلنا ذلك ، ويجوز أن يكون رفعا بمعنى الابتداء ، كأنه قال : ذلك كذلك . وأما " أن " فإنها في موضع نصب بمعنى : فعلنا ذلك من أجل أن لم يكن ربك مهلك القرى ، فإذا حذف ما كان يخفضها تعلق بها الفعل فنصب . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : ولكل عامل في طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله ، يبلغه الله إياها ، ويثيبه بها ، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا . وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ يقول جل ثناؤه : وكل ذلك من عملهم يا محمد بعلم من ربك يحصيها ويثبتها لهم عنده ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَرَبُّكَ