محمد بن جرير الطبري
22
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عليه قرأ هذه الآية : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً بنصب الراء . قال : وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " ضيقا حرجا " . قال صفوان : فقال عمر : ابغوني رجلا من كنانة واجعلوه راعيا ، وليكن مدلجيا قال : فأتوه به ، فقال له عمر : يا فتى ما الحرجة ؟ قل : الحرجة فينا : الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء . قال : فقال عمر : كذلك قلب المنافق لا يسل إليه شيء من الخير . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً يقول : من أراد الله أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل الإسلام عليه ضيقا والإسلام واسع ، وذلك حين يقول : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ يقول : ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : شاكا . ذكر من قال ذلك : حدثنا عمران بن موسى ، قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد ، قال : ثنا حميد ، عن مجاهد : ضَيِّقاً حَرَجاً قال : شاكا . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ضَيِّقاً حَرَجاً أما حرجا : فشاكا . وقال آخرون : معناه : ملتبسا . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً قال : ضيقا : ملتبسا . حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن الحسن ، عن قتادة أنه كان يقرأ : ضَيِّقاً حَرَجاً يقول : ملتبسا . وقال آخرون : معناه أنه من شدة الضيق لا يصل إليه الإيمان . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً قال : لا يجد مسلكا إلا صعدا . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن عطاء الخراساني : ضَيِّقاً حَرَجاً قال : ليس للخير فيه منفذ . حدثني المثني ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن عطاء الخراساني مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج عن ابن جريج ، قوله : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً بلا إله إلا الله لا يجد لها في صدره مساغا . حدثني المثني ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج قراءة ، في قوله : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً بلا إله إلا الله ، حتى لا يستطيع أن تدخله . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعضهم : ضَيِّقاً حَرَجاً بفتح الحاء والراء من حَرَجاً وهي قراءة عامة المكيين والعراقيين ، بمعنى : جمع حرجة على ما وصفت . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة : " ضيقا حرجا " بفتح الحاء وكسر الراء . ثم اختلف الذين قرءوا ذلك في معناه ، فقال بعضهم : هو بمعنى الحرج ، وقالوا : الحرج بفتح الحاء والراء ، والحرج بفتح الحاء وكسر الراء بمعنى واحد ، وهما لغتان مشهورتان ، مثل الذنف والذنف ، والوحد والوحد ، والفرد والفرد . وقال آخرون منهم : بل هو بمعنى الإثم من قولهم : فلان آثم حرج . وذكر عن العرب سماعا منها : حرج عليك ظلمي ، بمعنى : ضيق وإثم . والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ولغتان مستفيضتان بمعنى واحد ، وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب لاتفاق معنييهما ، وذلك كما ذكرنا من الروايات عن العرب في الوحد والفرد بفتح الحاء من الوحد والراء من الفرد وكسرهما بمعنى واحد . وأما الضيق ،