محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن ابن سيرين ، عن عبد الله بن يزيد ، قال : كنت اجلس إليه في حلقة ، فكان يجلس فيها ناس من الأنصار هو رأسهم ، فإذا جاء سائل فإنما يسأله ويسكتون . قال : فجاءه رجل فسأله ، فقال : رجل ذبح فنسي أن يسمي ؟ فتلا هذه الآية : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ حتى فرغ منها . والصواب من القول في ذلك أن يقال : أن الله عنى بذلك : ما ذبح للأصنام والآلهة ، وما مات أو ذبحه من لا تحل ذبيحته الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه . وأما من قال : عنى بذلك ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم الله ، فقول بعيد من الصواب لشذوذه ، وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله ، وكفى بذلك شاهدا على فساده . وقد بينا فساده من جهة القياس في كتابنا المسمى " لطيف القول في أحكام شرائع الدين " فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . وأما قوله لَفِسْقٌ فإنه يعني : وإن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة وما أهل به لغير الله لفسق . واختلف أهل التأويل في معنى الفسق في هذا الموضع ، فقال بعضهم : معناه : المعصية . فتأويل الكلام على هذا : وإن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه لمعصية لله وإثم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ قال : الفسق : المعصية . وقال آخرون : معنى ذلك : الكفر . وأما قوله : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ فقد ذكرنا اختلاف المختلفين في المعني بقوله : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ . والصواب من القول فيه . وأما إيحاؤهم إلى أوليائهم ، فهو إشارتهم إلى ما أشاروا لهم إليه ، إما بقول ، وإما برسالة ، وإما بكتاب . وقد بينا معنى الوحي فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقد : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا عكرمة ، عن أبي زميل ، قال : كنت قاعدا عند ابن عباس ، فجاءه رجل من أصحابه ، فقال : يا ابن عباس ، زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة يعني المختار بن أبي عبيد فقال ابن عباس : صدق فنفرت فقلت : يقول ابن عباس صدق ؟ فقال ابن عباس : هما وحيان : وحي الله ، ووحي الشيطان ؛ فوحي الله إلى محمد ، ووحي الشياطين إلى أوليائهم . ثم قال : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ . وأما الأولياء : فهم النصراء والظهراء في هذا الموضع . ويعني بقوله : لِيُجادِلُوكُمْ ليخاصموكم ، بالمعنى الذي قد ذكرت قبل . وأما قوله : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ فإنه يعني : وإن أطعتموهم في أكل الميتة وما حرم عليكم ربكم ؛ كما : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ يقول : وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ فأكلتم الميتة . وأما قوله : إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ يعني : إنكم إذا مثلهم ، إذ كان هؤلاء يأكلون الميتة استحلالا ، فإذا أنتم أكلتموها كذلك فقد صرتم مثلهم مشركين . واختلف أهل العلم في هذه الآية : هل نسخ من حكمها شيء أم لا ؟ فقال بعضهم : لم ينسخ منها شيء وهي محكمة فيما عنيت به ، وعلى هذا قول عامة أهل العلم . وروي عن الحسن البصري وعكرمة ، ما : حدثنا به ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين بن واقد ، عن يزيد ، عن عكرمة والحسن البصري قالا : قال : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ وَلا تَأْكُلُوا