محمد بن جرير الطبري
166
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كانت فيمن هلك . فإن قال : فكيف قيل : إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ وقد قلت إن معنى الغابر الباقي ، فقد وجب أن تكون قد بقيت ؟ قيل : إن معنى ذلك غير الذي ذهبت إليه ؛ وإنما عنى بذلك : إلا امرأته كانت من الباقين قبل الهلاك والمعمرين الذين قد أتى عليهم دهر كبير ومر بهم زمن كثير ، حتى هرمت فيمن هرم من الناس ، فكانت ممن غير الدهر الطويل قبل هلاك القوم ، فهلكت مع من هلك من قوم لوط حين جاءهم العذاب . وقيل : معنى ذلك : من الباقين في عذاب الله . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ في عذاب الله . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ يقول تعالى ذكره : وأمطرنا على قوم لوط الذين كذبوا لوطا ولم يؤمنوا به مطرا من حجارة من سجيل أهلكناهم به . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ يقول جل ثناؤه : فانظر يا محمد إلى عاقبة هؤلاء الذين كذبوا الله ورسوله من قوم لوط ، فاجترموا معاصي الله وركبوا الفواحش واستحلوا ما حرم الله من أدبار الرجال ، كيف كانت وإلى أي شيء صارت هل كانت إلا البوار والهلاك ؟ فإن ذلك أو نظيره من العقوبة ، عاقبة من كذبك واستكبر عن الإيمان بالله وتصديقك إن لم يتوبوا ، من قومك . قول في تأويل قوله تعالى : وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ . . . وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ يقول تعالى ذكره : وأرسلنا إلى ولد مدين . ومدين : هم ولد مدين بن إبراهيم خليل الرحمن ، فيما : حدثنا به ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق . فإن كان الأمر كما قال : فمدين قبيلة كتميم . وزعم أيضا ابن إسحاق أن شعيبا الذي ذكر الله أنه أرسله إليهم من ولد مدين هذا ، وأنه شعيب بن ميكيل بن يشجر ، قال : واسمه بالسريانية بثرون . فتأويل الكلام على ما قاله ابن إسحاق : ولقد أرسلنا إلى ولد مدين أخاهم شعيب بن ميكيل ، يدعوهم إلى طاعة الله والانتهاء إلى أمره وترك السعي في الأرض بالفساد والصد عن سبيله ، فقال لهم شعيب : يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له ، ما لكم من إله يستوجب عليكم العبادة غير الإله الذي خلقكم وبيده نفعكم وضركم . قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يقول : قد جاءتكم علامة وحجة من الله بحقيقة ما أقول وصدق ما أدعوكم إليه . فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ يقول : أتموا للناس حقوقهم بالكيل الذي تكيلون به وبالوزن الذي تزنون به . وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يقول ولا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياها . ومن ذلك قولهم : تحسبها حمقاء وهي باخسة ، بمعنى ظالمة ، ومنه قول الله : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ يعني به : رديء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يقول : لا تظلموا الناس أشياءهم . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ قال : لا تظلموا الناس أشياءهم . وقوله : وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ يقول : ولا تعملوا في أرض الله بمعاصيه وما كنتم تعملونه قبل أن يبعث الله إليكم نبيه ، من عبادة غير الله والإشراك به وبخس الناس في الكيل والوزن . بَعْدَ إِصْلاحِها يقول : بعد أن قد أصلح الله الأرض بابتعاث النبي عليه السلام فيكم ، ينهاكم عما لا يحل لكم وما يكرهه الله لكم . ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يقول : هذا الذي ذكرت لكم وأمرتكم به من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وإيفاء الناس حقوقهم من الكيل والوزن وترك الفساد في الأرض ، خير لكم في عاجل دنياكم وآجل آخرتكم عند الله يوم القيامة . إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يقول : إن كنتم مصدقي فيما أقول لكم وأودي إليكم عن الله من أمره ونهيه . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ . . . فَكَثَّرَكُمْ يعني بقوله : وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ