محمد بن جرير الطبري

155

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إن كان هود صادقا فاسقنا ، فإنا قد هلكنا فأنشأ الله لهم سحائب ثلاثا : بيضاء وحمراء وسوداء ، ثم ناداه مناد من السحاب : يا قيل اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب فقال : اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء ، فناداه مناد : اخترت رمادا رمددا ، لا تبق من آل عاد أحدا ، لا والدا تترك ولا ولدا ، إلا جعلته همدا ، إلا بني اللوذية المهدي . وبني اللوذية : بنو لقيم بن هزال بن هزيلة بن بكر وكانوا سكانا بمكة مع أخوالهم ، ولم يكونوا مع عاد بأرضهم ، فهم عاد الآخرة ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد . وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختارها قيل بن عير بما فيها من النقمة إلى عاد ، حتى خرجت عليهم من واد يقال له المغيث ؛ فلما رأوها استبشروا بها قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا يقول الله : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها أي كل شيء أمرت به . وكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون ، امرأة من عاد يقال لها مهدد . فلما تيقنت ما فيها ، صاحت ثم صعقت ؛ فلما أن أفاقت قالوا : ماذا رأيت يا مهدد ؟ قالت : رأيت ريحا فيها كشهب النار ، أمامها رجال يقودونها . فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما ، كما قال الله والحسوم : الدائمة فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك . فاعتزل هود فيما ذكر لي ومن معه من المؤمنين في حظيرة ، ما يصيبه ومن معه من الريح إلا ما تلين عليه الجلود وتلتذ به الأنفس ، وإنها لتمر على عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة . وخرج وفد عاد من مكة ، حتى مروا بمعاوية بن بكر وابنه ، فنزلوا عليه ، فبينما هم عنده إذ أقبل رجل على ناقة له في ليلة مقمرة مساء ثالثة من مصاب عاد ، فأخبرهم الخبر ، فقالوا له : أين فارقت هودا وأصحابه ؟ قال : فارقتهم بساحل البحر ، فكأنهم شكوا فيما حدثهم به ، فقالت هذيلة بنت بكر : صدق ورب الكعبة حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو بكر بن عياش ، قال : ثنا عاصم ، عن الحارث بن حسان البكري ، قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمررت على امرأة بالربذة ، فقالت : هل أنت حاملي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : نعم . فحملتها حتى قدمت المدينة ، فدخلت المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ، وإذا بلال متقلد السيف ، وإذا رايات سود ، قال : قلت : ما هذا ؟ قالوا : عمرو بن العاص قدم من غزوته . فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من على منبره أتيته فاستأذنت فأذن لي ، فقلت : يا رسول الله إن بالباب امرأة من بني تميم ، وقد سألتني أن أحملها إليك . قال : " يا بلال ائذن لها " قال : فدخلت ، فلما جلست قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل بينكم وبين تميم شيء ؟ " قالت : نعم ، وكانت لنا الدائرة عليهم ، فإن رأيت أن تجعل الدهناء بيننا وبينهم حاجزا فعلت . قال تقول المرأة : فإلى أين يضطر مضطرك يا رسول الله ؟ قال : قلت : إن مثلي مثل ما قال الأول : معزى حملت حتفها . قال : قلت : وحملتك تكونين علي خصما ؟ أعوذ بالله أن يكون كوافد عاد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما وافد عاد ؟ " قال : قلت : على الخبير سقطت ، أن عادا قحطت ، فبعثت من يستسقي لها ، فبعثوا رجالا ، فمروا على بكر بن معاوية فسقاهم الخمر وتغنتهم الجرادتان شهرا ، ثم فصلوا من عنده حتى أتوا جبال مهرة ، فدعوا ، فجاءت سحابات ، قال : وكلما جاءت سحابة ، قال : اذهبي إلى كذا ، حتى جاءت سحابة ، فنودي : خذها رمادا رمددا ، لا تدع من عاد أحدا . قال : فسمعه وكلمهم ، حتى جاءهم العذاب . قال أبو كريب : قال أبو بكر بعد ذلك في حديث عاد ، قال : فأقبل الذين أتاهم فأتى جبال مهرة ، فصعد فقال : اللهم إني لم أجئك لأسير فأفاديه ، ولا لمريض فأشفيه ،