محمد بن جرير الطبري

149

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فلا أحب القراءة بها ، وإن كان لها معنى صحيح ووجه مفهوم في المعنى والإعراب لما ذكرنا من العلة . وأما قوله : بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ فإنه يقول : قدام رحمته وأمامها ؛ والعرب كذلك تقول لكل شيء حدث قدام شيء وأمامه جاء بين يديه ، لأن ذلك من كلامهم جرى في أخبارهم عن بني آدم ، وكثر استعماله فيهم حتى قالوا ذلك في غير ابن آدم وما لا يد له . والرحمة التي ذكرها جل ثناؤه في هذا الموضع المطر . فمعنى الكلام إذن : والله الذي يرسل الرياح لينا هبوبها ، طيبا نسيمها ، أمام غيثه الذي يسوقه بها إلى خلقه ، فينشئ بها سحابا ثقالا ، حتى إذا أقلتها ، والإقلال بها : حملها ، كما يقال : استقل البعير بحمله وأقله : إذا حمله فقام به . ساقه الله لإحياء بلد ميت قد تعفت مزارعه ودرست مشاربه وأجدب أهله ، فأنزل به المطر وأخرج به من كل الثمرات . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط عن السدي : " وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته " إلى قوله : لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ قال : إن الله يرسل الريح ، فتأتي بالسحاب من بين الخافقين طرف السماء والأرض من حيث يلتقيان ، فيخرجه من ثم ، ثم ينشره فيبسطه في السماء كيف يشاء ، ثم يفتح أبواب السماء ، فيسيل الماء على السحاب ، ثم يمطر السحاب بعد ذلك . وأما رحمته : فهو المطر . وأما قوله : كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فإنه يقول تعالى ذكره : كما نحيي هذا البلد الميت بما ننزل به من الماء الذي ننزله من السحاب ، فنخرج به من الثمرات بعد موته وجدوبته وقحوط أهله ، كذلك نخرج الموتى من قبورهم أحياء بعد فنائهم ودروس آثارهم . لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يقول تعالى ذكره للمشركين به من عبدة الأصنام ، المكذبين بالبعث بعد الممات ، المنكرين للثواب والعقاب : ضربت لكم أيها القوم هذا المثل الذي ذكرت لكم من إحياء البلد الميت بقطر المطر الذي يأتي به السحاب ، الذي تنشره الرياح التي وصفت صفتها ؛ لتعتبروا فتذكروا وتعلموا أن من كان ذلك من قدرته فيسير في إحياء الموتى بعد فنائها وإعادتها خلقا سويا بعد دروسها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وكذلك تخرجون ، وكذلك النشور ، كما نخرج الزرع بالماء . وقال أبو هريرة : " إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر عليهم من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان أربعين سنة فينبتون كما ينبت الزرع من الماء ، حتى إذا استكملت أجسامهم نفخ فيهم الروح ، ثم يلقى عليهم نومة ، فينامون في قبورهم ، فإذا نفخ في الصور الثانية ، عاشوا وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم ، كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه ، فعند ذلك يقولون : يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا فناداهم المنادي هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ " حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نحيح ، عن مجاهد ، في قول الله : كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى قال : إذا أراد الله أن يخرج الموتى أمطر السماء حتى تتشقق عنهم الأرض ، ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها ، فكذلك يحيي الله الموتى بالعطر كإحيائه الأرض . القول في تأويل قوله تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً يقول تعالى ذكره : والبلد الطيبة تربته العذبة مشاربه ، يخرج نباته إذا أنزل الله الغيث وأرسل عليه الحيا بإذنه طيبا ثمره في حينه ووقته . وَالَّذِي خَبُثَ فردؤت تربته وملحت مشاربه ، لا يَخْرُجُ نباته إِلَّا نَكِداً يقول : إلا عسرا في شدة ، كما قال الشاعر :