محمد بن جرير الطبري
12
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مِنْها وَما بَطَنَ قال : ما ظهر منها : الجمع بين الأختين ، وتزويج الرجل امرأة أبيه من بعده . وما بطن : الزنا . وقال آخرون : الظاهر : التعري والتجرد من الثياب وما يستر العورة في الطواف . والباطن : الزنا . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ قال : ظاهره العرية التي كانوا يعملون بها حين يطوفون بالبيت . وباطنه : الزنا . والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره تقدم إلى خلقه بترك ظاهر الإثم وباطنه وذلك سره وعلانيته ، والإثم : كل ما عصى الله به من محارمه ، وقد يدخل في ذلك سر الزنا وعلانيته ، ومعاهرة أهل الرايات وأولات الأخدان منهن ، ونكاح حلائل الآباء والأمهات والبنات ، والطواف بالبيت عريانا ، وكل معصية لله ظهرت أو بطنت . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان جميع ذلك إثما ، وكان الله عم يقوله : وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ جميع ما ظهر من الإثم وجميع ما بطن ، لم يكن لأحد أن يخص من ذلك شيئا دون شيء إلا بحجة للعذر قاطعة . غير أنه لو جاز أن يوجه ذلك إلى الخصوص بغير برهان ، كان توجيهه إلى أنه عنى بظاهر الإثم وباطنه في هذا الموضع : ما حرم الله من المطاعم والمآكل من الميتة والدم ، وما بين الله تحريمه في قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ إلى آخر الآية ، أولى ، إذ كان ابتداء الآيات قبلها بذكر تحريم ذلك جرى وهذه في سياقها ، ولكنه غير مستنكر أن يكون عنى بها ذلك ، وادخل فيها الأمر باجتناب كل ما جانسه من معاصي الله ، فخرج الأمر عاما بالنهي عن كل ما ظهر أو بطن من الإثم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ يقول تعالى ذكره : إن الذين يعملون بما نهاهم الله عنه ويركبون معاصي الله ويأتون ما حرم الله ، سَيُجْزَوْنَ يقول : سيثيبهم الله يوم القيامة بما كانوا في الدنيا يعملون من معاصيه . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ يعني بقوله جل ثناؤه : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ لا تأكلوا أيها المؤمنون مما مات فلم تذبحوه أنتم أو يذبحه موحد يدين لله بشرائع شرعها له في كتاب منزل فإنه حرام عليكم ، ولا ما أهل به لغير الله مما ذبحه المشركون لأوثانهم ، فإن أكل ذلك فسق ، يعني : معصية كفر . فكنى بقوله : " وإنه " عن " الأكل " ، وإنما ذكر الفعل ، كما قال : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً يراد به : فزاد قولهم ذلك إيمانا ، فكنى عن القول ، وإنما جرى ذكره بفعل . وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ اختلف أهل التأويل في المعني بقوله : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ فقال بعضهم : عنى بذلك : شياطين فارس ومن على دينهم من المجوس إِلى أَوْلِيائِهِمْ من مردة مشركي قريش ، يوحون إليهم زخرف القول بجدال نبي الله وأصحابه نبي الله في أكل الميتة . ذكر من قال ذلك : حدثني عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري ، قال : ثنا موسى بن عبد العزيز القنباري ، قال : ثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، لما نزلت هذه الآية بتحريم الميتة ، قال : أوحت فارس إلى أوليائها من قريش أن خاصموا محمدا وكانت أولياءهم في الجاهلية وقولوا له : إن ما ذبحت فهو حلال ، وما ذبح الله قال ابن عباس : بشمشار من ذهب فهو حرام ، فأنزل الله هذه