محمد بن جرير الطبري
135
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : فمعناه : أنه كلانا قال ، ويكون كقوله : أَنْ قَدْ وَجَدْنا في موضع " أي " ، وقوله : أَنْ أَقِيمُوا ولا تكون " أن " التي تعمل في الأفعال ، لأنك تقول : غاظني أن قام ، وأن ذهب ، فتقع على الأفعال وإن كانت لا تعمل فيها ، وفي كتاب الله : وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا أي امشوا . وأنكر ذلك من قوله هذا بعض أهل الكوفة ، فقال : غير جائز أن يكون مع " أن " في هذا الموضع " هاء " مضمرة ، لأن " أن " دخلت في الكلام لتقي ما بعدها ، قال : و " أن " هذه التي مع " تلكم " ، هي الدائرة التي يقع فيها ما ضارع الحكاية ، وليس بلفظ الحكاية ، نحو : ناديت أنك قائم ، وأن زيد قائم ، وأن قمت ، فتلي كل الكلام ، وجعلت " أن " وقاية ، لأن النداء يقع على ما بعده ، وسلم ما بعد " أن " كما سلم ما بعد القول ، ألا ترى أنك تقول : قلت : زيد قائم ، وقلت : قام ، فتليها ما شئت من الكلام ؟ فلما كان النداء بمعنى الظن وما أشبهه من القول سلم " ما " بعد " أن " ، ودخلت " أن " وقاية . قال : وأما " أي " فإنها لا تكون على أن لا يكون : أي جواب الكلام ، وأن تكفي من الاسم . القول في تأويل قوله تعالى : وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ يقول تعالى ذكره : ونادى أهل الجنة أهل النار بعد دخولهموها : يا أهل النار قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا في الدنيا على ألسن رسله من الثواب على الإيمان به وبهم وعلى طاعته ، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم على ألسنتهم على الكفر به وعلى معاصيه من العقاب ؟ فأجابهم أهل النار بأن نعم ، قد وجدنا ما وعد ربنا حقا . كالذي : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ قال : وجد أهل الجنة ما وعدوا من ثواب ، وأهل النار ما وعدوا من عقاب . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا وذلك أن الله وعد أهل الجنة النعيم والكرامة وكل خير علمه الناس أو لم يعلموه ، ووعد أهل النار كل خزي وعذاب علمه الناس أو لم يعلموه ؛ فذلك قوله : وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ قال : فنادى أصحاب الجنة أصحاب النار أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ يقول : من الخزي والهوان والعذاب ، قال أهل الجنة : فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا من النعيم والكرامة . فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ واختلف القراء في قراءة قوله : قالُوا نَعَمْ فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والكوفة والبصرة : قالُوا نَعَمْ بفتح العين من " نعم " . وروي عن بعض الكوفيين أنه قرأ : " قالوا نعم " بكسر العين ، وقد أنشد بيتا لبني كلب : " نعم " إذا قالها منه محققة * ولاتجيء " عسى " منه ولا " قمن " بكسر " نعم " . قال أبو جعفر : والصواب من القراءة عندنا : نَعَمْ بفتح العين ، لأنها القراءة المستفيضة في قراء الأمصار واللغة المشهورة في العرب . وأما قوله : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ يقول : فنادى مناد ، وأعلم معلم بينهم ، أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ يقول : غضب الله وسخطه وعقوبته على من كفر به . وقد بينا القول في " أن " إذا صحبت من الكلام ما ضارع الحكاية وليس بصريح الحكاية ، بأنها تشددها العرب أحيانا وتوقع الفعل عليها فتفتحها وتخففها أحيانا ، وتعمل الفعل فيها فتنصبها به وتبطل عملها عن الاسم الذي يليها فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وإذ كان ذلك كذلك ، فسواء شددت " أن " أو خففت في القراءة ، إذ كان معنى الكلام بأي ذلك قرا القارئ واحدا ، وكانتا قراءتين مشهورتين في قراءة الأمصار . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ يقول جل ثناؤه : إن المؤذن بين أهل الجنة والنار يقول : أن لعنة الله على الظالمين الذين كفروا بالله وصدوا عن سبيله . وَيَبْغُونَها عِوَجاً يقول : حاولوا سبيل الله ، وهو دينه ، أن يغيروه ويبدلوه