محمد بن جرير الطبري
132
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قرأت على أبي عجلان الأفطس : وحتى يلج الجمل " فقال : " حتى يلج الجمل " خفيفة : هو حبل السفينة ، هكذا أقرأنيها سعيد بن جبير . وأما عكرمة ، فإنه كان يقرأ ذلك : " الجمل " بضم الجيم وتشديد الميم ، ويتأوله كما : حدثني ابن وكيع ، قال : ثنا أبو تميلة ، عن عيسى بن عبيدة ، قال : سمعت عكرمة يقرأ " الجمل " مثقلة ، ويقول : هو الحبل الذي يصعد به إلى النخل . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا مسلما بن إبراهيم ، قال : ثنا كعب بن فروخ ، قال : ثنا قتادة ، عن عكرمة ، في قوله : " حتى يلج الجمل في سم الخياط " قال : الحبل الغليظ في خرق الإبرة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : " حتى يلج الجمل في سم الخياط " قال : حبل السفينة في سم الخياط . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال عبد الله بن كثير : سمعت مجاهد ا يقول : الحبل من حبال السفن . وكأن من قرأ ذلك بتخفيف الميم وضم الجيم على ما ذكرنا عن سعيد بن جبير على مثال الصرد والجعل وجهه إلى جماع جملة من الحبال جمعت جملا ، كما تجمع الظلمة ظلما والخربة خربا . وكان بعض أهل العربية ينكر التشديد في الميم ، ويقول : إنما أراد الراوي الجمل بالتخفيف ، فلم يفهم ذلك منه ، فشدده . وحدثت عن الفراء ، عن الكسائي أنه قال : الذي رواه عن ابن عباس كان أعجميا . وأما من شدد الميم وضم الجيم ، فإنه وجهه إلى أنه اسم واحد : وهو الحبل أو الخيط الغليظ . قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار وهو : حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ بفتح الجيم والميم من " الجمل " وتخفيفها ، وفتح السين من " السم " ، لأنها القراءة المستفيضة في قراء الأمصار ، وغير جائز مخالفة ما جاءت به الحجة متفقة عليه من القراء ، وكذلك ذلك في فتح السين في قوله : سَمِّ الْخِياطِ . إذ كان الصواب من القراءة ذلك ، فتأويل الكلام : ولا يدخلون الجنة حتى يلج ، والولوج : الدخول من قولهم : ولج فلان الدار يلج ولوجا ، بمعنى : دخل الجمل في سم الإبرة وهو ثقبها . وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ يقول وكذلك نثيب الذين أجرموا في الدنيا ما استحقوا به من الله العذاب الأليم في الآخرة . وبمثل الذي قلنا في تأويل قوله : سَمِّ الْخِياطِ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة وابن مهدي وسويد الكلبي ، عن حماد بن زيد ، عن يحيى بن عتيق ، قال : سألت الحسن ، عن قوله : حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ قال : ثقب الإبرة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : ثنا كعب بن فروخ ، قال : ثنا قتادة ، عن عكرمة : فِي سَمِّ الْخِياطِ قال : ثقب الإبرة . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ، مثله . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فِي سَمِّ الْخِياطِ قال : جحر الإبرة . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : فِي سَمِّ الْخِياطِ يقول : جحر الإبرة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثني عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فِي سَمِّ الْخِياطِ قال : في ثقبه . القول في تأويل قوله تعالى : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ يقول جل ثناؤه : لهؤلاء الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وهو ما امتهدوه مما يقعد عليه ويضطجع كالفراش الذي يفرش والبساط الذي يبسط . وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وهو جمع غاشية ، وذلك ما غشاهم فغطاهم من فوقهم . وإنما معنى الكلام : لهم من جهنم مهاد ، من تحتهم فرش ومن فوقهم منها لحف ، وإنهم بين ذلك . وبنحو ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ قال : الفراش ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ قال : اللحف حدثنا أبو كريب قال : ثنا جابر بن نوح ، عن أبي روق ، عن الضحاك : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ قال : المهاد : الفرش ، والغواشي : اللحف . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا