محمد بن جرير الطبري
118
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
علمه في خلقه وجرى به فيهم قضاؤه ، فقال : هدى الله منهم فريقا فوفقهم لصالح الأعمال فهم مهتدون ، وحق على فريق منهم الضلالة عن الهدى والرشاد ، باتخاذهم الشيطان من دون الله وليا . وإذا كان التأويل هذا ، كان الفريق الأول منصوبا بإعمال هدى فيه ، والفريق الثاني بوقوع قوله حق على عائد ذكره في عليهم ، كما قال جل ثناؤه : يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ومن وجه تأويل ذلك إلى أنه كما بدأكم في الدنيا صنفين : كافرا ، ومؤمنا ، كذلك تعودون في الآخرة فريقين : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ نصب " فريقا " الأول بقوله : " تعودون " ، وجعل الثاني عطفا عليه . وقد بينا الصواب عندنا من القول فيه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ يقول تعالى ذكره : إن الفريق الذي حق عليهم الضلالة إنما ضلوا عن سبيل الله وجاروا عن قصد المحجة ، باتخاذهم الشياطين نصراء من دون الله وظهراء ، جهلا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك ؛ بل فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم على هدى وحق ، وأن الصواب ما أتوه وركبوا . وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عنادا منه لربه فيها ، لأن ذلك لو كان كذلك ، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه هاد وفريق الهدى فرق ، وقد فرق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية . القول في تأويل قوله تعالى : يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يتعرون عند طوافهم ببيته الحرام ويبدون عوراتهم هنا لك من مشركي العرب ، والمحرمين منهم أكل ما لم يحرمه الله عليهم من حلال رزقه تبررا عند نفسه لربه : يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ من الكساء واللباس ، عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا من طيبات ما رزقتكم ، وحللته لكم ، وَاشْرَبُوا من حلال الأشربة ، ولا تحرموا إلا ما حرمت عليكم في كتابي أو على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي ، قال : ثنا خالد بن الحرث ، قال : ثنا شعبة ، عن سلمة ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن النساء كن يطفن بالبيت عراة وقال في موضع آخر : بغير ثياب إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة فيما وصف إن شاء الله ، وتقول : اليوم يبدو بعضه أو كله * فما بدا منه فلا أحله قال : فنزلت هذه الآية : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ حدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كانوا يطوفون عراة ، الرجال بالنهار ، والنساء بالليل ، وكانت المرأة تقول : اليوم يبدو بعضه أو كله * فما بدا منه فلا أحله فقال الله : خُذُوا زِينَتَكُمْ حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن ابن عباس :