محمد بن جرير الطبري

10

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن الإصغاء لما يوحي الشياطين بعضهم إلى بعض من زخرف القول في الميتة ، والمنخنقة ، والمتردية ، وسائر ما حرم الله من المطاعم . ثم قال : وما يمنعكم من أكل ما ذبح بديني الذي ارتضيته ، وقد فصلت لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون ، وبينته لكم بقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ إلى قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فلا لبس عليكم في حرام ذلك من حلاله ، فتمتنعوا من أكل حلاله حذرا من مواقعة حرامه . فإذ كان ذلك معناه فلا وجه لقول متأولي ذلك : وأي شيء لكم في أن لا تأكلوا لأن ذلك إنما يقال كذلك لمن كان كف عن أكله رجاء ثواب بالكف عن أكله ، وذلك يكون ممن آمن بالكف فكف اتباعا لأمر الله وتسليما لحكمه ، ولا نعلم أحدا من سلف هذه الأمة كف عن أكل ما أحل الله من الذبائح رجاء ثواب الله على تركه ذلك ، واعتقادا منه أن الله حرمه عليه . فبين بذلك إذ كان الأمر كما وصفنا أن أولى التأويلين في ذلك بالصواب ما قلنا . وقد بينا فيما مضى قبل أن معنى قوله : " فصل " ، و " فصلنا " و " فصل " : بين ، أو بين ، بما يغني عن إعادته في هذا الموضع . كما : حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ يقول : قد بين لكم ما حرم عليكم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، عن ابن زيد ، مثله . واختلفت القراء في قول الله جل ثناؤه : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ فقرأه بعضهم بفتح أول الحرفين من " فصل " و " حرم " : أي فصل ما حرمه من مطاعمكم ، فبينه لكم . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : وَقَدْ فَصَّلَ بفتح فاء فصل وتشديد صاده ، " ما حرم " بضم حائه وتشديد رائه ، بمعنى : وقد فصل الله لكم المحرم عليكم من مطاعمكم . وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين : " وقد فصل لكم " بضم فائه وتشديد صاده " ما حرم عليكم " بضم حائه وتشديد رائه ، على وجه ما لم يسم فاعله في الحرفين كليهما . وروي عن عطية العوفي أنه كان يقرأ ذلك : " وقد فصل " بتخفيف الصاد وفتح الفاء ، بمعنى : وقد أتاكم حكم الله فيما حرم عليكم . والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن كل هذه القراءات الثلاث التي ذكرناها سوى القراءة التي ذكرنا عن عطية قراءات معروفة مستفيضة القراءة بها في قراء الأمصار ، وهن متفقات المعاني غير مختلفات ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب فيه الصواب . وأما قوله : إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ الاضطرار فإنه يعني تعالى ذكره : أن ما اضطررنا إليه من المطاعم المحرمة التي بين تحريمها لنا في غير حال الضرورة لنا حلال ما كنا إليه مضطرين ، حتى تزول الضرورة . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ الاضطرار من الميتة . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ يقول تعالى ذكره : وَإِنَّ كَثِيراً من الناس يجادلونكم في أكل ما حرم الله عليكم أيها المؤمنون بالله من الميتة لَيُضِلُّونَ أتباعهم بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ منهم بصحة ما يقولون ، ولا برهان عندهم بما فيه يجادلون ، إلا ركوبا منهم لأهوائهم ، واتباعا منهم لدواعي نفوسهم ، اعتداء وخلافا لأمر الله ونهيه ، وطاعة للشياطين . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ يقول : إن ربك يا محمد الذي أحل لك ما أحل وحرم عليك ما حرم ، هو أعلم بمن اعتدى حدوده فتجاوزها إلى خلافها ، وهو لهم بالمرصاد . واختلفت القراء في قراءة قوله : لَيُضِلُّونَ فقرأته عامة أهل الكوفة : لَيُضِلُّونَ بمعنى :