محمد بن جرير الطبري
104
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
واستغشه ولم يستنصحه . وإن الله تعالى ذكره إنما نبه بهذه الآيات عباده على قدم عداوة عدوه وعدوهم إبليس لهم ، وسالف ما سلف من حسده لأبيهم ، وبغيه عليه وعليهم ، وعرفهم مواقع نعمه عليهم قديما في أنفسهم ووالدهم ليدبروا آياته ، وليتذكر أولو الألباب ، فينزجروا عن طاعة عدوه وعدوهم إلى طاعته وينيبوا إليها . القول في تأويل قوله تعالى : وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ يقول الله تعالى ذكره : وقال الله لآدم : يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما فأسكن جل ثناؤه آدم وزوجته الجنة بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه منها ، وأباح لهما أن يأكلا من ثمارها من أي مكان شاءا منها ، ونهاهما أن يقربا ثمر شجرة بعينها . وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في ذلك وما نرى من القول فيه صوابا في غير هذا الموضع ، فكرهنا إعادته . فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ يقول : فتكونا ممن خالف أمر ربه . وفعل ما ليس له فعله . القول في تأويل قوله تعالى : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما يعني جل ثناؤه بقوله : فَوَسْوَسَ لَهُمَا فوسوس إليهما ، وتلك الوسوسة كانت قوله لهما : ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ وإقسامه لهما على ذلك . وقيل : " وسوس لهما " ، والمعنى ما ذكرت ، كما قيل : غرضت له ، بمعنى : اشتقت إليه ، وإنما يعني : غرضت من هؤلاء إليه ، فكذلك معنى ذلك : فوسوس من نفسه إليهما الشيطان بالكذب من القيل لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما كما قال رؤبة : وسوس يدعو مخلصا رب الفلق ومعنى الكلام : فجذب إبليس إلى آدم حواء ، وألقى إليهما : ما نهاكما ربكما عن أكل ثمر هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ، أو تكونا من الخالدين ليبدي لهما ما واراه الله عنهما من عوراتهما . فغطاه بستره الذي ستره عليهما . وكان وهب بن منبه يقول في الستر الذي كان الله سترهما به ما : حدثني به حوثرة بن محمد المنقري ، قال ثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن ابن منبه ، في قوله : فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما قال : كان عليهما نور لا ترى سوآتهما . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ يقول جل ثناؤه : وقال الشيطان لآدم وزوجته حواء : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة أن تأكلا ثمرها إلا لئلا تكونا ملكين . وأسقطت " لا " من الكلام لدلالة ما ظهر عليها ، كما أسقطت من قوله : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا والمعنى : يبين الله لكم أن لا تضلوا . وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يزعم أن معنى الكلام : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تكونا ملكين ، كما يقال : إياك أن تفعل كراهية أن تفعل ، أو تكونا من الخالدين في الجنة الماكثين فيها أبدا فلا تموتا . والقراءة على فتح اللام بمعنى ملكين من الملائكة . وروي عن ابن عباس ما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي حماد ، قال : ثنا عيسى الأعمى ، عن السدي ، قال : كان ابن عباس يقرأ : " إلا أن تكونا ملكين " بكسر اللام . وعن يحيى بن أبي كثير ما : حدثني أحمد بن يوسف ، قال : ثني القاسم بن سلام ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ،