محمد بن جرير الطبري
90
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فكيف بما قد نطقت به . وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ يقول : ولا أعلم أنا ما أخفيته عني فلم تطلعني عليه ، لأني إنما أعلم من الأشياء ما أعلمتنيه . إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ يقول : إنك أنت العالم بخفيات الأمور التي لا يطلع عليها سواك ولا يعلمها غيرك . القول في تأويل قوله تعالى : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول عيسى ، يقول : ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول أن أقوله لهم ، وهو أن قلت لهم اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً يقول : وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهدا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم . فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي يقول : فلما قبضتني إليك ، كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ يقول : كنت أنت الحفيظ عليهم دوني ، لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم . وفي هذا تبيان أن الله تعالى إنما عرفه أفعال القوم ومقالتهم بعد ما قبضه إليه وتوفاه بقوله : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ . . . وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يقول : وأنت تشهد على كل شيء ، لأنه لا يخفى عليك شيء ، وأما أنا فإنما شهدت بعض الأشياء ، وذلك ما عاينت وأنا مقيم بين أظهر القوم ، فإنما أنا أشهد على ذلك الذي عاينت ورأيت وشهدت . وبنحو الذي قلنا في قوله : كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدى : كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ أما الرقيب : فهو الحفيظ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ قال : الحفيظ . وكانت جماعة من أهل العلم تقول : كان جواب عيسى الذي أجاب به ربه من الله تعالى توقيفا منه له فيه ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ قال : الله وفقه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو داود الحفري ، قال : قرئ على سفيان ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس ، قال : أحتج عيسى والله وفقه : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن عطاء ، عن ميسرة ، قال : قال الله تعالى : يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قال : فأرعدت مفاصله ، وخشي أن يكون قد قالها ، ف قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يقول تعالى ذكره : إن تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة بإماتتك إياهم عليها ، فإنهم عبادك ، مستسلمون لك ، لا يمتنعون مما أردت بهم ولا يدفعون عن أنفسهم ضرا ولا أمرا تنالهم به . وإن تغفر لهم بهدايتك إياهم إلى التوبة منها فتستر عليهم ، فإنك أنت العزيز في انتقامه ممن أراد الانتقام منه لا يقدر أحد يدفعه عنه ، الحكيم في هدايته من هدى من خلقه إلى التوبة وتوفيقه من وفق منهم لسبيل النجاة من العقاب . كالذي : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في قوله : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وهذا قول عيسى في الدنيا . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال : والله ما كانوا طعانين ولا لعانين . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ اختلفت القراء في قراءة قوله : هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ فقرأ ذلك بعض أهل الحجاز والمدينة : " هذا يوم ينفع الصادقين " بنصب