محمد بن جرير الطبري
83
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بجبريل ، يقول : إذ أعنتك بجبريل . وقد بينت معنى ذلك وما معنى القدس فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ . . . طَيْراً بِإِذْنِي . . . إِذْ جِئْتَهُمْ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيله لعيسى : اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ في حال تكليمك الناس في المهد وكهلا . وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره أنه أيده بروح القدس صغيرا في المهد وكهلا كبيرا ، فرد " الكهل " على قوله في " المهد " ؛ لأن معنى ذلك : صغيرا ، كما قال الله تعالى ذكره : دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً وقوله : وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يقول : واذكر أيضا نعمتي عليك إذ علمتك الكتاب : وهو الخط ، والحكمة : وهي الفهم بمعاني الكتاب الذي أنزلته إليك وهو الإنجيل . وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ يقول : كصورة الطير ، بِإِذْنِي يعني بقوله تَخْلُقُ تعمل وتصلح من الطين ، كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي يقول : بعوني على ذلك وعلم مني . فَتَنْفُخُ فِيها يقول : فتنفخ في الهيئة ، فتكون الهيئة والصورة طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ يقول : وتشفي الأكمه : وهو الأعمى الذي لا يبصر شيئا المطموس البصر ، وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وقد بينت معاني هذه الحروف فيما مضى من كتابنا هذا مفسرا بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ يقول : واذكر أيضا نعمتي عليك ، بكفي عنك بني إسرائيل إذ كففتهم عنك وقد هموا بقتلك ، إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ يقول : إذ جئتهم بالأدلة والأعلام المعجزة على نبوتك وحقية ما أرسلتك به إليهم . فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يقول تعالى ذكره : فقال الذين جحدوا نبوتك وكذبوك من بني إسرائيل : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته قراء أهل المدينة وبعض أهل البصرة : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني : يبين عما أتى به لمن رآه ونظر إليه أنه سحر لا حقيقة له . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " إن هذا إلا ساحر مبين " بمعنى : ما هذا ، يعني به عيسى ، إلا ساحر مبين ، يقول : يبين بأفعاله وما يأتي به من هذه الأمور العجيبة عن نفسه أنه ساحر لا نبي صادق . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى متفقتان غير مختلفتين ، وذلك أن كل من كان موصوفا بفعل السحر فهو موصوف بأنه ساحر ، ومن كان موصوفا بأنه ساحر فإنه موصوف بفعل السحر ، فالفعل دال على فاعله والصفة تدل على موصوفها ، والموصوف يدل على صفته والفاعل يدل على فعله ؛ فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب في قراءته . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي يقول تعالى ذكره : واذكر أيضا يا عيسى إذ ألقيت إلى الحواريين ، وهم وزراء عيسى على دينه . وقد بينا معنى ذلك ولم قيل لهم الحواريون فيما مضى بما أغنى عن إعادته . وقد اختلفت ألفاظ أهل التأويل في تأويل قوله : وَإِذْ أَوْحَيْتُ وإن كانت متفقة المعاني ، فقال بعضهم بما : حدثني به محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ يقول قدفت في قلوبهم . وقال آخرون : معنى ذلك : ألهمتهم . فتأويل الكلام إذن : وإذ ألقيت إلى الحواريين أن صدقوا بي وبرسولي عيسى . فقالوا : آمنا : أي صدقنا بما أمرتنا أن نؤمن يا ربنا . وَاشْهَدْ علينا بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ يقول : وأشهد علينا بأننا خاضعون لك بالذلة سامعون ، مطيعون لأمرك . القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره : واذكر يا عيسى أيضا نعمتي عليك ، إذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ،