محمد بن جرير الطبري
81
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
على معاني الفسق كلها حتى يخصص شيئا منها ما يجب التسليم له فيسلم له . ثم اختلف أهل العلم في حكم هاتين الآيتين الشهادة على الوصية ، هل هو منسوخ ، أو هو محكم ثابت ؟ فقال بعضهم : هو منسوخ ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن رجل ، قد سماه ، عن حماد ، عن إبراهيم ، قال الشهادة على الوصية : هي منسوخة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : هي منسوخة . يعني هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ الآية الشهادة على الوصية . وقال جماعة : هي محكمة وليست بمنسوخة الشهادة على الوصية . وقد ذكرنا قول أكثرهم فيما مضى . والصواب من القول في ذلك أن حكم الآية منسوخ ، وذلك أن من حكم الله تعالى ذكره الذي عليه أهل الإسلام ، من لدن بعث الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ، أن من أدعي عليه دعوى مما يملكه بنو آدم أن المدعى عليه لا يبرئه مما ادعي عليه إلا اليمين إذا لم يكن للمدعي بينة تصحح دعواه ، وأنه إن اعترف وفي يدي المدعى سلعة له ، فادعى أنها له دون الذي في يده ، فقال الذي هي في يده : بل هي لي اشتريتها من هذا المدعي ، أن القول قول من زعم الذي هي في يده أنه اشتراها منه دون من هي في يده مع يمينه إذا لم يكن للذي هي في يده بينة تحقق به دعواه الشراء منه . الشهادة على الوصية فإذ كان ذلك حكم الله الذي لا خلاف فيه بين أهل العلم ، وكانت الآيتان اللتان ذكر الله تعالى ذكره فيهما أمر وصية الموصي إلى عدلين من المسلمين أو إلى آخرين من غيرهم ، إنما ألزم النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكر عنه الوصيين اليمين حين ادعى عليهما الورثة ما ادعوا ثم لم يلزم المدعى عليهما شيئا إذ حلفا ، حتى اعترفت الورثة في أيديهما ما اعترفوا من الجام أو الإبريق أو غير ذلك من أموالهم فزعما أنهما اشترياه من ميتهم ، فحينئذ ألزم النبي صلى الله عليه وسلم ورثة الميت اليمين ، لأن الوصيين تحولا مدعيين بدعواهما ما وجدا في أيديهما من مال الميت أنه لهما اشتريا ذلك منه فصارا مقرين بالمال للميت مدعيين منه الشراء ، فاحتاجا حينئذ إلى بينة تصحح دعواهما ؛ وورثة الميت رب السلعة أولى باليمين منهما ، فذلك قوله تعالى : فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما الآية . فإذ كان تأويل ذلك كذلك فلا وجه لدعوى مدع أن هذه الآية منسوخة ، لأنه غير جائز أن يقضى على حكم من أحكام الله تعالى ذكره أنه منسوخ إلا بخبر يقطع العذر أما من عند الله أو من عند رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو بورود النقل المستفيض بذلك ، فأما ولا خبر بذلك ، ولا يدفع صحته عقل ، فغير جائز أن يقضى عليه بأنه منسوخ . القول في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ يقول تعالى ذكره : واتقوا الله أيها الناس ، واسمعوا وعظه إياكم وتذكيره لكم ، واحذروا يوم يجمع الله الرسل . ثم حذف " واحذروا " واكتفى بقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا عن إظهاره ، كما قال الراجز : علفتها تبنا وماء باردا * حتى غدت همالة عيناها يريد : وسقيتها ماء باردا ، فاستغنى بقوله " علفتها تبنا " من إظهار سقيتها ، إذ كان السامع إذا سمعه عرف معناه . فكذلك في قوله : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ حذف " واحذروا " لعلم السامع معناه ، اكتفاء بقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا إذ كان ذلك تحذيرا من أمر الله تعالى خلقه عقابه على معاصيه . وأما قوله : ما ذا أُجِبْتُمْ فإنه يعني به : ما الذي أجابتكم به أممكم حين دعوتموهم إلى توحيدي والإقرار بي والعمل بطاعتي والانتهاء عن معصيتي ؟ قالوا : لا علم لنا . اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى قولهم : لا عِلْمَ لَنا لم يكن ذلك من الرسل إنكارا أن يكونوا كانوا عالمين بما عملت أممهم ، وأنهم ذهلوا عن الجواب من هول ذلك اليوم ، ثم أجابوا بعد أن ثابت إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم . ذكر من