محمد بن جرير الطبري

79

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

من آمن بالله واليوم الآخر ؟ وكما قال : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ، وكما قال بعض الهذليين : يمشي بيننا حانوت خمر * من الخرس الصراصرة القطاط وهو يعني صاحب حانوت خمر ، فأقام الحانوت مقامه لأنه معلوم أن الحانوت لا يمشي ، ولكن لما كان معلوما عنده أنه لا يخفى على سامعه ما قصد إليه من معناه حذف الصاحب ، واجتزأ بذكر الحانوت منه ، فكذلك قوله : " من الذين استحق عليهم الأوليان " إنما هو من الذين استحق فيهم خيانتهما ، فحذفت " الخيانة " وأقيم " المختانان " مقامها ، فعمل فيهما ما كان يعمل في المحذوف ولو ظهر . وأما قوله : " عليهم " في هذا الموضع ، فإن معناها : فيهم ، كما قال تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ يعني : في ملك سليمان ، وكما قال : وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ف " في " توضع موضع " على " ، و " على " في موضع " في " كل واحدة منهما تعاقب صاحبتها في الكلام ، ومنه قول الشاعر : متى ما تنكروها تعرفوها * على أقطارها علق نفيث وقد تأولت جماعة من أهل التأويل قول الله تعالى : " فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان " الشهادة على الوصية أنهما رجلان آخران من المسلمين ، أو رجلان أعدل من المقسمين الأولين ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود بن أبي هند ، عن عامر ، عن شريح في هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ الشهادة على الوصية قال : إذا كان الرجل بأرض غربة ، ولم يجد مسلما يشهده على وصيته ، فأشهد يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا ، فشهادتهم جائزة . فإن جاء رجلان مسلمان ، فشهدا بخلاف شهادتهم ، أجيزت شهادة المسلمين وأبطلت شهادة الآخرين . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَإِنْ عُثِرَ أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما ، فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا الشهادة على الوصية ، أجيزت شهادة الآخرين وأبطلت شهادة الأولين . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، قال : كان ابن عباس يقرأ : " من الذين استحق عليهم الأوليان " قال : كيف يكون " الأوليان " ، أرأيت لو كان الأوليان صغيرين الشهادة على الوصية . حدثنا هناد وابن وكيع ، قال : ثنا عبدة ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : كان يقرأ : " من الذين استحق عليهم الأولين " الشهادة على الوصية قال : وقال : أرأيت لو كان الأوليان صغيرين ، كيف يقومان مقامهما . قال الإمام أبو جعفر : فذهب ابن عباس فيما أرى إلى نحو القول الذي حكيت عن شريح وقتادة ، من أن ذلك رجلان آخران من المسلمين يقومان مقام النصرانيين ، أو عدلان من المسلمين هما أعدل وأجوز شهادة من الشاهدين الأولين أو المقسمين الشهادة على الوصية . وفي إجماع جميع أهل العلم على أن لا حكم لله تعالى يجب فيه على شاهد يمين فيما قام به من الشهادة ، دليل واضح على أن غير هذا التأويل الذي قاله الحسن ومن قال بقوله في قول الله تعالى : فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما أولى به . وأما قوله الْأَوْلَيانِ فإن معناه عندنا : الأولى بالميت من المقسمين الأولين فالأولى ، وقد يحتمل أن يكون معناه الشهادة على الوصية : الأولى باليمين منهما فالأولى ، ثم حذف " منهما " ؛ والعرب تفعل ذلك فتقول : فلان أفضل ، وهي تريد أفضل منك ، وذلك إذا وضع أفعل موضع الخبر . وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه الألف واللام ، فعلوا ذلك أيضا إذا كان جوابا لكلام قد مضى ، فقالوا : هذا الأفضل ، وهذا الأشرف ؛ يريدون هو الأشرف منك . وقال ابن زيد : الشهادة على الوصية معنى ذلك : الأوليان بالميت . حدثني يونس ، عن ابن وهب ، عنه ابن زيد . القول في تأويل قوله تعالى : فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما يقول تعالى ذكره : فيقسم الآخران اللذان يقومان مقام اللذين عثر على أنهما استحقا إثما بخيانتهما مال الميت الأوليان باليمين والميت من الخائنين الشهادة على الوصية : لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما يقول : لأيماننا أحق من أيمان المقسمين المستحقين الإثم وأيمانهما