محمد بن جرير الطبري
76
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ الآية كلها الشهادة على الوصية ، قال : هذا شيء حين لم يكن الإسلام إلا بالمدينة ، وكانت الأرض كلها كفرا ، فقال الله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ من المسلمين ، أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ من غير أهل الإسلام ، إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ قال : كان الرجل يخرج مسافرا والعرب أهل كفر ، فعسى أن يموت في سفره فيسند وصيته إلى رجلين منهم ، فيقسمان بالله إن ارتبتم في أمرهما إذا قال الورثة : كان مع صاحبنا كذا وكذا ، فيقسمان بالله : ما كان معه إلا هذا الذي قلنا . فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً إنما حلفا على باطل وكذب . فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ بالميت ؛ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ذكرنا أنه كان مع صاحبنا كذا وكذا ، قال هؤلاء : لم يكن معه . قال : ثم عثر على بعض المتاع عندهما ، فلما عثر على ذلك ردت القسامة على وارثه ، فأقسما ، ثم ضمن هذان . قال الله تعالى : ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ فتبطل أيمانهم ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الكاذبين الذين يحلفون على الكذب . وقال ابن زيد : قدم تميم الداري وصاحب له ، وكانا يومئذ مشركين ولم يكونا أسلما ، فأخبرا أنهما أوصى إليهما رجل ، وجاءا بتركته ، فقال أولياء الميت : كان مع صاحبنا كذا وكذا ، وكان معه إبريق فضة ؛ وقال الآخران : لم يكن معه إلا الذي جئنا به . فحلفا خلف الصلاة . ثم عثر عليهما بعد والإبريق معهما ؛ فلما عثر عليهما ردت القسامة على أولياء الميت بالذي قالوا مع صاحبهم ، ثم ضمنها الذي حلف عليه الأوليان . حدثنا الربيع ، قال : ثنا الشافعي ، قال : أخبرنا سعيد بن معاذ بن موسى الجعفري ، عن بكير بن معروف ، عن مقاتل بن حيان ، قال بكر : قال مقاتل : أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك في قول الله : اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ الشهادة على الوصية أن رجلين نصرانيين من أهل دارين ، أحدهما تميمي والآخر يماني ، صاحبهما مولى لقريش في تجارة ، فركبوا البحر ومع القرشي مال معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبز ورقة . فمرض القرشي ، فجعل وصيته إلى الداريين ، فمات . وقبض الداريان المال والوصية ، فدفعاه إلى أولياء الميت ، وجاءوا ببعض ماله . وأنكر القوم قلة المال ، فقالوا للداريين : إن صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به ، فهل باع شيئا أو اشترى شيئا فوضع فيه ؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه ؟ قالا : لا . قالوا : فإنكما خنتمانا فقبضوا المال ورفعوا أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إلى آخر الآية . فلما نزل : أن يحبسا من بعد الصلاة ، أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقاما بعد الصلاة ، فحلفا بالله رب السماوات ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به ، وإنا لا نشتري بأيماننا ثمنا قليلا من الدنيا ولو كان ذا قربى ، ولا نكتم شهادة الله ، إنا إذن لمن الآثمين فلما حلفا خلي سبيلهما . ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت ، فأخذ الداريان فقالا : اشتريناه منه في حياته وكذبا ، فكلفا البينة فلم يقدرا عليها . فرفعوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : فَإِنْ عُثِرَ يقول : فإن اطلع على أنهما استحقا إثما ، يعني الداريين إن كتما حقا ، فآخران من أولياء الميت يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان ، فيقسمان بالله إن مال صاحبنا كان كذا وكذا ، وإن الذي يطلب قبل الداريين لحق ، وما اعتدينا ، إنا إذن لمن الظالمين . هذا قول الشاهدين أولياء الميت ، ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ، يعني : الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك . قال أبو جعفر : ففيما ذكرنا من هذه الأخبار التي روينا دليل واضح على صحة ما قلنا من أن حكم الله تعالى باليمين