محمد بن جرير الطبري
66
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ قال : ذوا عدل من أهل الإسلام الشهادة على الوصية . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ قال : من المسلمين . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان سعيد بن المسيب يقول : اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ الشهادة على الوصية أي من أهل الإسلام . وقال آخرون : عنى بذلك : ذوا عدل من حي الموصي ، وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدة غيرهما . واختلفوا في صفة الاثنين اللذين ذكرهما الله في هذه الآية ما هي ، وما هما ؟ فقال بعضهم : هما شاهدان يشهدان على وصية الموصي . وقال آخرون : هما وصيان . وتأويل الذين زعموا أنهما شاهدان ، قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ الشهادة على الوصية ليشهد شاهدان ذوا عدل منكم على وصيتكم . وتأويل الذين قالوا : هما وصيان لا شاهدان ، قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ بمعنى الحضور والشهود لما يوصيهما به المريض ، من قولك : شهدت وصية فلان ، بمعنى حضرته . وأولى التأويلين بقوله : اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ الشهادة على الوصية تأويل من تأوله بمعنى : أنهما من أهل الملة دون من تأوله أنهما من حي الموصي . وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية ، لأن الله تعالى عم المؤمنين بخطابهم بذلك في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فغير جائز أن يصرف ما عمه الله تعالى إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها . وإذ كان ذلك كذلك ، فالواجب أن يكون العائد من ذكرهم على العموم ، كما كان ذكرهم ابتداء على العموم . وأولى المعنيين بقوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ اليمين ، لا الشهادة التي يقوم بها من عنده شهادة لغيره لمن هي عنده على من هي عليه عند الحكام ؛ لأنا لا نعلم لله تعالى حكما يجب فيه على الشاهد اليمين ، فيكون جائزا صرف الشهادة في هذا الموضع إلى الشهادة التي يقوم بها بعض الناس عند الحكام والأئمة . وفي حكم الآية في هذه اليمين على ذوي العدل ، وعلى من قام مقامهم في اليمين بقوله : تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ أوضح الدليل على صحة ما قلنا في ذلك من أن الشهادة فيه الأيمان دون الشهادة التي يقضي بها للمشهود له على المشهود عليه ، وفساد ما خالفه . فإن قال قائل : فهل وجدت في حكم الله تعالى يمينا تجب على المدعي فتوجه قولك في الشهادة في هذا الموضع إلى الصحة ؟ فإن قلت : لا ، تبين فساد تأويلك ذلك على ما تأولت ، لأنه يجب على هذا التأويل أن يكون المقسمان في قوله : فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما هما المدعيين . وإن قلت بلى ، قيل لك : وفي أي حكم الله تعالى وجدت ذلك ؟ قيل : وجدنا ذلك في أكثر المعاني ، وذلك في حكم الرجل يدعي قبل رجل مالا ، فيقر به المدعي عليه قبله ذلك ويدعي قضاءه ، فيكون القول قول رب الدين ، والرجل يعترف في يد الرجل السلعة ، فيزعم المعترفة في يده أنه اشتراها من المدعي أو أن المدعي وهبها له ، وما أشبه ذلك مما يكثر إحصاؤه . وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في هذا الموضع اليمين على المدعيين اللذين عثرا على الجانيين فيما جنيا فيه . واختلف أهل العربية في الرافع قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ، وقوله : اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فقال بعض نحويي البصرة : معنى قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ شهادة اثنين ذوي عدل ، ثم ألقيت الشهادة وأقيم الاثنان مقامها ، فارتفعا بما كانت الشهادة به مرتفعة لو جعلت في الكلام . قال : وذلك في حذف ما حذف منه وإقامة ما أقيم مقام المحذوف ، نظير قوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ وإنما يريد : واسأل أهل القرية ، وانتصبت القرية بانتصاب الأهل وقامت مقامه ، ثم عطف قوله : " أو آخران " على " الاثنين " . وقال بعض نحويي الكوفة : رفع الاثنين بالشهادة : أي ليشهدكم اثنان من المسلمين ، أو آخران من غيركم . وقال آخر منهم : رفعت الشهادة ب " إذا حضر " . وقال : إنما رفعت بذلك لأنه قال : " إذا حضر " ، فجعلها