محمد بن جرير الطبري
3
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الله : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى قال : هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة خاف على أصحابه النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين ، فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ملك الحبشة ؛ فلما بلغ ذلك المشركين ، بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم المشركين ذكر أنهم سبقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ، فقالوا : إنه خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها زعم أنه نبي ، وإنه بعث إليك رهطا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليفسدوا عليك قومك ، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم . قال : إن جاءوني نظرت فيما يقولون . فقدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقاموا بباب النجاشي ، فقالوا : أتأذن لأولياء الله ؟ فقال : ائذن لهم ، فمرحبا بأولياء الله فلما دخلوا عليه سلموا ، فقال له الرهط من المشركين : ألا ترى أيها الملك أنا صدقناك ، لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها ؟ فقال لهم : ما منعكم أن تحيوني بتحيتي ؟ فقالوا : إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة . قال لهم : ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه ؟ قال : يقول : هو عبد الله وكلمة من الله ألقاها إلى مريم وروح منه ، ويقول في مريم : إنها العذراء البتول . قال : فأخذ عودا من الأرض ، فقال : ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم قدر هذا العود فكره المشركون قوله ، وتغيرت وجوههم . قال لهم : هل تعرقون شيئا مما أنزل عليكم ؟ قالوا : نعم . قال : اقرءوا فقرءوا ، وهنا لك منهم قسيسون ورهبان وسائر النصارى ، فعرفت كل ما قرءوا ، وانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق . قال الله تعالى ذكره : ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ الآية . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثني أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط عن السدي ، : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى الآية . قال : بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر رجلا من الحبشة ، سبعة قسيسين وخمسة رهبانا ، ينظرون إليه ويسألونه . فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا ، فأنزل الله عليه فيهم : وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ فآمنوا ثم رجعوا إلى النجاشي . فهاجر النجاشي معهم ، فمات في الطريق ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون واستغفروا له . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال عطاء في قوله : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى الآية ، هم ناس من الحبشة آمنوا ، إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين . وقال آخرون : بل هذه صفة قوم كانوا على شريعة عيسى من أهل الإيمان ؛ فلما بعث الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم آمنوا به . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ، فقرأ حتى بلغ : فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى ، يؤمنون به وينتهون إليه ؛ فلما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم صدقوا به وآمنوا ، وعرفوا الذي جاء به أنه الحق ، فأثنى عليهم ما تسمعون . والصواب في ذلك من القول عندي أن الله تعالى وصف صفة قوم قالوا : إنا نصارى ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أقرب الناس ودادا لأهل الإيمان بالله ورسوله ، ولم يسم لنا أسماءهم . وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشي ، ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا على شريعة عيسى فأدركهم الإسلام فأسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق ، ولم يستكبروا عنه . وأما قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً فإنه يقول : قربت مودة هؤلاء الذين وصف الله صفتهم للمؤمنين من أجل أن