محمد بن جرير الطبري

60

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بغير تجديع . والحام : إذا نتج له سبع إناث متواليات ، قد حمي ظهره ، ولا يركب ، ولا يعمل عليه . والوصيلة من الغنم : إذا ولدت سبع إناث متواليات حمت لحمها أن يؤكل . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثنا عبد الله بن يوسف ، قال : ثنا الليث بن سعد ، قال : ثني ابن الهاد ، عن ابن شها ب ، قال : قال سعيد بن المسيب : السائبة : التي كانت تسيب فلا يحمل عليها شيء . والبحيرة : التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد . والوصيلة : الناقة البكر تبكر أول نتاج الإبل بأنثى ، ثم تثني بعد بأنثى ، وكانوا يسمونها للطواغيت ، يدعونها الوصيلة ، إن وصلت إحداهما بالأخرى . والحامي : فحل الإبل يضرب العشر من الإبل ، فإذا نقص ضرابه يدعونه للطواغيت ، وأعفوه من الحمل ، فلم يحملوا عليه شيئا ، وسموه الحامي . وهذه أمور كانت في الجاهلية فأبطلها الإسلام ، فلا نعرف قوما يعملون بها اليوم . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان ما كانت الجاهلية تعمل به لا يوصل إلى علمه إذ لم يكن له في الإسلام اليوم أثر ، ولا في الشرك نعرفه إلا بخبر ، وكانت الأخبار عما كانوا يفعلون من ذلك مختلفة الاختلاف الذي ذكرنا ؛ فالصواب من القول في ذلك أن يقال : أما معاني هذه الأسماء ، فما بينا في ابتداء القول في تأويل هذه الآية . وأما كيفية عمل القوم في ذلك ، فما لا علم لنا به . وقد وردت الأخبار بوصف عملهم ذلك على ما قد حكينا ، وغير ضائر الجهل بذلك إذا كان المراد من علمه المحتاج إليه ، موصلا إلى حقيقته ، وهو أن القوم كانوا محرمين من أنعامهم على أنفسهم ما لم يحرمه الله اتباعا منهم خطوات الشيطان ، فوبخهم الله تعالى بذلك ، وأخبرهم أن كل ذلك حلال ، فالحرام من كل شيء عندنا ، ما حرم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، بنص أو دليل . والحلال منه : ما أحله الله ورسوله كذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ اختلف أهل التأويل في المعني بالذين كفروا في هذا الموضع والمراد بقوله : وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ فقال بعضهم : المعني بالذين كفروا : اليهود ، وبالذين لا يعقلون : أهل الأوثان ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن سفيان ، عن داود بن أبي هند ، عن محمد بن أبي موسى : وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ قال : أهل الكتاب . وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ قال : أهل الأوثان . وقال آخرون : بل هم أهل ملة واحدة ، ولكن " المفترين " المتبوعون ، و " الذين لا يعقلون " : الأتباع ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا خارجة ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي في قوله : وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ هم الأتباع . وأما " الذين افتروا " ، يعقلون أنهم افتروا . وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال : إن المعنيين بقوله : وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ الذين بحروا البحائر ، وسيبوا السوائب ، ووصلوا الوصائل ، وحموا الحوامي ؛ مثل عمرو بن لحي وأشكاله ، ممن سنوا لأهل الشرك السنن الرديئة وغيروا دين الله دين الحق وأضافوا إلى الله تعالى أنه هو الذي حرم ما حرموا وأحل ما أحلوا ، افتراء على الله الكذب وهم يعلمون ، واختلاقا عليه الإفك وهم يعمهون . فكذبهم الله تعالى في قيلهم ذلك ، وإضافتهم إليه ما أضافوا من تحليل ما أحلوا وتحريم ما حرموا ، فقال تعالى ذكره : ما جعلت من بحيرة ولا سائبة ، ولكن الكفار هم الذين يفعلون ذلك ويفترون على الله الكذب . وأن يقال : إن المعنيين بقوله وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ هم أتباع من سن لهم هذه السنن من جهلة المشركين ، فهم لا شك أنهم أكثر من الذين لهم سنوا ذلك ؛ فوصفهم الله تعالى بأنهم لا يعقلون ، لأنهم لم يكونوا يعقلون أن الذين سنوا لهم تلك السنن ، وأخبروهم أنها من عند الله كذبة في إخبارهم أفكة ، بل ظنوا أنهم فيما يقولون محقون في إخبارهم صادقون . وإنما معنى الكلام : وأكثرهم لا يعقلون أن ذلك التحريم الذي حرمه هؤلاء المشركون وأضافوه إلى الله تعالى كذب وباطل . وهذا القول الذي قلنا في ذلك