محمد بن جرير الطبري

54

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لوقعتم فيه " قال : فأنزل الله تعالى عند ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إلى آخر الآية . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وذلك أن رسول الله أذن في الناس ، فقال : " يا قوم ، كتب عليكم الحج " فقام رجل من بني أسد فقال : يا رسول الله ، أفي كل عام ؟ فأغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا ، فقال " والذي نفس محمد بيده لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما استطعتم ، وإذن لكفرتم فاتركوني ما تركتكم ، فإذا أمرتكم بشيء فافعلوا ، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه " . فأنزل الله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة ، فأصبحوا بها كافرين ؛ فنهى الله تعالى عن ذلك ، وقال : لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك ، ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، قال : ثنا علي بن أبي طلحة ، عن أبن عباس ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ قال : لما أنزلت آية الحج ، نادى النبي صلى الله عليه وسلم في الناس ، فقال " يا أيها الناس ، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا " فقالوا : يا رسول الله ، أعاما واحدا أم كل عام ؟ فقال " لا بل عاما واحدا ، ولو قلت كل عام لوجبت ، ولو وجبت لكفرتم " قال الله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ قال : سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء فوعظهم ، فانتهوا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج ، فقيل : أواجب هو يا رسول الله كل عام ؟ قال : " لا ، لو قلتها لوجبت ، ولو وجبت ما أطقتم ، ولو لم تطيقوا لكفرتم " ثم قال : " سلوني فلا يسألني رجل في مجلسي هذا عن شيء إلا أخبرته ، وإن سألني عن أبيه " فقام إليه رجل ، فقال : من أبي ؟ قال : " أبوك حذافة بن قيس " فقام عمر ، فقال : يا رسول صلى الله عليه وسلم رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ، ونعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله . وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية من أجل أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ذكر من قال ذلك : حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، قال : ثنا عتاب بن بشير ، عن خصيف ، عن مجاهد ، عن ابن عباس لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ قال : هي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام . ألا ترى أنه يقول بعد ذلك : ما جعل الله من كذا ولا كذا ؟ قال : وأما عكرمة فإنه قال : إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك . ثم قال : قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ قال : فقلت : قد حدثني مجاهد بخلاف هذا عن ابن عباس ، فما لك تقول هذا ؟ فقال هيه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، عن ابن عون ، عن عكرمة ، قال : هو الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أبي ؟ وقال سعيد بن جبير : هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة . وأولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال : نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل ، كمسئلة ابن حذافة إياه من أبوه حذافة ، ومسئلة سائله إذ قال : " إن الله فرض عليكم الحج " : أفي كل عام ؟ وما أشبه ذلك من المسائل ، لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويل ، وأما القول الذي رواه مجاهد عن ابن عباس ، فقول غير بعيد من الصواب ، ولكن الأخبار المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه ، وكرهنا القول به من أجل ذلك . على أنه غير مستنكر أن تكون المسألة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام كانت فيما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها ، كما