محمد بن جرير الطبري
49
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في الماء دون البر ويأوي إليه ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن عمران بن حدير ، عن أبي مجلز : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً قال : ما كان يعيش في البر والبحر لا يصيده ، وما كان حياته في الماء فذاك . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا الحجاج ، عن عطاء ، قال : ما كان يعيش في البر صيد البر فأصابه المحرم فعليه جزاؤه ، نحو السلحفاة والسرطان والضفادع . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا هارون بن المغيرة ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن الحجاج ، عن عطاء ، قال : كل شيء عاش في البر والبحر ، فأصابه المحرم فعليه الكفارة صيد البر . حدثنا أبو كريب وأبو السائب ، قالا : ثنا ابن إدريس ، قال : ثنا يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الملك ، عن سعيد بن جبير ، قال : خرجنا حجاجا معنا رجل من أهل السواد معه شصوص طير ماء ، فقال له أبي حين أحرمنا : اعزل هذا عنا صيد البر وحدثنا به أبو كريب مرة أخرى ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت يزيد بن أبي زياد ، قال : ثنا حجاج ، عن عطاء : أنه كره للمحرم أن يذبح الدجاج الزنجي ، لأن له أصلا في البر صيد البر . وقال بعضهم : صيد البر ما كان كونه في البر أكثر من كونه في البحر صيد البر ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال ابن جريج : أخبرناه ، قال : سألت عطاء عن ابن الماء ، أصيد بر ، أم بحر ؟ صيد البر وعن أشباهه ، فقال : حيث يكون أكثر فهو صيده . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني وكيع ، عن سفيان ، عن رجل ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : أكثر ما يكون حيث يفرخ ، فهو منه صيد البر . القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وهذا تقدم من الله تعالى ذكره إلى خلقه بالحذر من عقابه على معاصيه ، يقول تعالى : وأخشوا الله أيها الناس ، واحذروه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه وفيما نهاكم عنه في هذه الآيات التي أنزلها على نبيكم صلى الله عليه وسلم من النهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، وعن إصابة صيد البر وقتله في حال إحرامكم ، وفي غيرها ، فإن لله مصيركم ومرجعكم فيعاقبكم بمعصيتكم إياه ، ومجازيكم فمثيبكم على طاعتكم له . القول في تأويل قوله تعالى : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ يقول تعالى ذكره : صير الله الكعبة البيت الحرام قواما للناس الذين لا قوام لهم ، من رئيس يحجز قويهم عن ضعيفهم ومسيئهم عن محسنهم وظالمهم عن مظلومهم وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ فحجز بكل واحد من ذلك بعضهم عن بعض ، إذ لم يكن لهم قيام غيره ، وجعلها معالم لدينهم ومصالح أمورهم . والكعبة سميت فيما قيل كعبة لتربيعها . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : إنما سميت الكعبة لأنها مربعة . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا هاشم بن القاسم ، عن أبي سعيد المؤدب ، عن النضر بن عربي ، عن عكرمة ، قال : إنما سميت الكعبة لتربيعها . وقيل قِياماً لِلنَّاسِ بالياء ، وهو من ذوات الواو ، لكسرة القاف وهي فاء الفعل ، فجعلت العين منه بالكسرة ياء ، كما قيل في مصدر : " قمت " قياما ، و " صمت " صياما ، فحولت العين من الفعل وهي واء ياء لكسرة فائه ، وإنما هو في الأصل : قمت قواما ، وصمت صواما . وكذلك قوله : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ فحولت واوها ياء ، إذ هي " قوام " . وقد جاء ذلك من كلامهم مقولا على أصله الذي هو أصله ، قال الراجز : قوام دنيا وقوام دين فجاء به بالواو على أصله . وجعل تعالى ذكره الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد قواما لمن كان يحترم ذلك من العرب ويعظمه ، بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر تباعه . وأما الكعبة فالحرم كله ، وسماها الله تعالى حراما لتحريمه إياها أن يصاد صيدها أو يختلى خلاها أو يعضد شجرها . وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل . وقوله : وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ يقول تعالى ذكره : وجعل الشهر الحرام والهدي والقلائد أيضا قياما للناس ، كما جعل الكعبة البيت الحرام لهم قياما . والناس الذين جعل ذلك لهم قياما مختلف فيهم ،