محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في كفارة اليمين كسوة المساكين كل شيء إلا التبان . حدثنا هناد وأبو كريب ، قالا : ثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن أشعث ، عن الحسن ، قال كسوة المساكين : يجزئ عمامة في كفارة اليمين . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن أويس الصيرفي ، عن أبي الهيثم ، قال : قال سلمان : نعم الثوب التبان كسوة المساكين . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان ، عن الشيباني ، عن الحكم ، قال كسوة المساكين : عمامة يلف بها رأسه . وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة وأشبهها بتأويل القرآن قول من قال : عنى بقوله : أَوْ كِسْوَتُهُمْ كسوة المساكين ما وقع عليه اسم كسوة مما يكون ثوبا فصاعدا ، لأن ما دون الثوب لا خلاف بين جميع الحجة أنه ليس مما دخل في حكم الآية ، فكان ما دون قدر ذلك خارجا من أن يكون الله تعالى عناه بالنقل المستفيض ، والثوب وما فوقه داخل في حكم الآية ، إذ لم يأت من الله تعالى وحي ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم خبر ولم يكن من الأمة إجماع بأنه غير داخل في حكمها ، وغير جائز إخراج ما كان ظاهر الآية محتمله من حكم الآية إلا بحجة يجب التسليم لها ، ولا حجة بذلك . القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يعني تعالى ذكره بذلك فك الرقاب : أو فك عبد من أسر العبودة وذلها . وأصل التحرير : الفك من الأسر ، ومنه قول الفرزدق بن غالب : ابني غدانة إنني حررتكم * فوهبتكم لعطية بن جعال يعني بقوله : " حررتكم " : فككت رقابكم من ذل الهجاء ولزوم العار . وقيل : تحرير رقبة ، والمحرر صاحب الرقبة ، لأن العرب كان من شأنها إذا أسرت أسيرا أن تجمع يديه إلى عنقه بقيد أو حبل أو غير ذلك ، وإذا أطلقته من الأسر أطلقت يديه وحلتهما مما كانتا به مشدودتين إلى الرقبة . فجرى الكلام عند إطلاقهم الأسير ، بالخبر عن فك يديه عن رقبته ، وهم يريدون الخبر عن إطلاقه من أسره ، كما يقال : قبض فلان يده عن فلان : إذا أمسك يده عن نواله ؛ وبسط فيه لسانه : إذا قال فيه سوءا ، فيضاف الفعل إلى الجارحة التي يكون بها ذلك الفعل دون فاعله ، لاستعمال الناس ذلك بينهم وعلمهم بمعنى ذلك ؛ فكذلك ذلك في قول الله تعالى ذكره : أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أضيف التحرير إلى الرقبة وإن لم يكن هنالك غل في رقبته ولا شد يد إليها ، وكان المراد بالتحرير نفس العبد بما وصفنا من جرى استعمال الناس ذلك بينهم لمعرفتهم بمعناه . فإن قال قائل : أفكل الرقاب معنى بذلك أو بعضها ؟ فك الرقاب قيل : بل معني بذلك كل رقبة كانت سليمة من الإقعاد والعمى والخرس وقطع اليدين أو شللهما والجنون المطبق ، ونظائر ذلك ، فإن من كان به ذلك أو شيء منه من الرقاب ، فلا خلاف بين الجميع من الحجة أنه لا يجزي في كفارة اليمين . فكان معلوما بذلك أن الله تعالى ذكره لم يعنه بالتحرير في هذه الآية . فأما الصغير والكبير والمسلم والكافر ، فإنهم معنيون به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل العلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد ، قال : ثنا مغيرة ، عن إبراهيم ، أنه كان يقول : فك الرقاب من كانت عليه رقبة واجبة ، فاشترى نسمة ، قال : إذا أنقذها من عمل أجزأته ، ولا يجوز عتق من لا يعمل ؛ فأما الذي يعمل ، كالأعور ونحوه . وأما الذي لا يعمل فلا يجزي كالأعمى والمقعد . حدثنا هناد ، قال : ثنا هشيم ، عن يونس ، عن الحسن ، قال : فك الرقاب كان يكره عتق المخبل في شيء من الكفارات . حدثنا هناد ، قال : ثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم : فك الرقاب أنه كان لا يرى عتق المغلوب على عقله يجزئ في شيء من الكفارات . وقال بعضهم : لا يجزئ في الكفارة من الرقاب إلا صحيح ، ويجزئ الصغير فيها . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال الكفارة من الرقاب : لا يجزئ في الرقبة إلا صحيح . حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : الكفارة من الرقاب يجزئ المولود في الإسلام من رقبة . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، قال : ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزئ إلا ما صام وصلى ، وما كان ليس بمؤمنة فالصبي يجزئ الكفارة من الرقاب . وقال بعضهم : لا يقال للمولود رقبة إلا بعد مدة تأتي عليه الكفارة من الرقاب . ذكر من