محمد بن جرير الطبري

208

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ، ودانت لكم بها العجم بالخراج ؟ " قال أبو جهل : نعم وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها ، فما هي ؟ قال : " قولوا : لا إله إلا الله " فأبوا واشمأزوا . قال أبو طالب : يا ابن أخي قل غيرها ، فإن قومك قد فزعوا منها قال : " يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي ، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها " . إرادة أن يؤيسهم . فغضبوا وقالوا : لتكفن عن شتمك آلهتنا ، أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك فذلك قوله فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فيسب الكفار الله عدوا بغير علم ، فأنزل الله : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ قال : إذا سببت إلهك سب إلهك ، فلا تسبوا آلهتهم . وأجمعت الأمة من قراء الأمصار على قراءة ذلك : فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ بفتح العين وتسكين الدال ، وتخفيف الواو من قوله : عَدْواً على أنه مصدر من قول القائل : عدا فلان على فلان : إذا ظلمه واعتدى عليه ، يعدو عدوا وعدوانا ، والاعتداء : إنما هو افتعال من ذلك . روى عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك : " عدوا " مشددة الواو . حدثني بذلك أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، عن عثمان بن سعد : فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً مضمومة العين مثقلة . وقد ذكر عن بعض البصريين أنه قرأ ذلك : " فيسبوا الله عدوا " يوجه تأويله إلى أنهم جماعة ، كما قال جل ثناؤه : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ، وكما قال : لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ ويجعل نصب " العدو " حينئذ على الحال من ذكر المشركين في قوله : فَيَسُبُّوا . فيكون تأويل الكلام : ولا تسبوا أيها المؤمنون الذين يدعو المشركون من دون الله ، فيسب المشركون الله أعداء الله بغير علم . وإذا كان التأويل هكذا كان العدو من صفة المشركين ونعتهم ، كأنه قيل : فيسب المشركون أعداء الله بغير علم ، ولكن العدو لما خرج مخرج النكرة وهو نعت للمعرفة نصب على الحال . والصواب من القراءة عندي في ذلك قراءة من قرأ بفتح العين وتخفيف الواو لإجماع الحجة من القراء على قراءة ذلك كذلك ، وغير جائز خلافها فيما جاءت مجمعة عليه . القول في تأويل قوله تعالى : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . يقول تعالى ذكره : كما زينا لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام عبادة الأوثان وطاعة الشيطان بخذلاننا إياهم عن طاعة الرحمن ، كذلك زينا لكل جماعة اجتمعت على عمل من الأعمال من طاعة الله ومعصيته عملهم الذي هم عليه مجتمعون ، ثم مرجعهم بعد ذلك ومصيرهم إلى ربهم فينبئهم بما كانوا يعملون ، يقول : فيوقفهم ويخبرهم بأعمالهم التي كانوا يعملون بها في الدنيا ، ثم يجازيهم بها إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر ، أو يعفو بفضله ما لم يكن شركا أو كفرا . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ