محمد بن جرير الطبري
174
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فيه ، وهو الإسلام الذي ارتضاه الله ربنا لأنبيائه ، وأمر به عباده . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . يعني تعالى ذكره بقوله : ذلِكَ هُدَى اللَّهِ هذا الهدي الذي هديت به من سميت من الأنبياء والرسل فوفقتهم به لإصابة الدين الحق ، الذي نالوا بإصابتهم إياه رضا ربهم وشرف الدنيا وكرامة الآخرة ، هو هدي الله ، يقول : هو توفيق الله ولطفه ، الذي يوفق به من يشاء ويلطف به لمن أحب من خلقه ، حتى ينيب إلى طاعة الله وإخلاص العمل له وإقراره بالتوحيد ورفض الأوثان والأصنام . وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ يقول : ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سميناهم بربهم تعالى ذكره ، فعبدوا معه غيره ، لَحَبِطَ عَنْهُمْ يقول : لبطل ، فذهب عنهم أجر أعمالهم التي كانوا يعملون ، لأن الله لا يقبل مع الشرك به عملا . القول في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ . يعني تعالى ذكره بقوله : أُولئِكَ هؤلاء الذين سميناهم من أنبيائه ورسله نوحا وذريته الذين هداهم لدين الإسلام واختارهم لرسالته إلى خلقه ، هم الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني بذلك صحف إبراهيم وموسى وزبور داود وإنجيل عيسى صلوات الله عليهم أجمعين . وَالْحُكْمَ يعني : الفهم بالكتاب ومعرفة ما فيه من الأحكام . وروي عن مجاهد في ذلك ما : حدثني المثني ، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : ثنا أبان ، قال : ثنا مالك بن شداد ، عن مجاهد : وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ قال : الحكم : هو اللب . وعنى بذلك مجاهد إن شاء الله ما قلت ؛ لأن اللب هو العقل ، فكأنه أراد : أن الله آتاهم العقل بالكتاب ، وهو بمعنى ما قلنا من أنه الفهم به . وقد بينا معنى النبوة والحكم فيما مضى بشواهدهما ، فأغنى ذلك عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ . يقول تعالى ذكره : فإن يكفر يا محمد بآيات كتابي الذي أنزلته إليك ، فيجحد هؤلاء المشركون العادلون بربهم ، كالذي : حدثني علي بن داود ، فال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ يقول : إن يكفروا بالقرآن . ثم اختلف أهل التأويل في المعنى بهؤلاء ، فقال بعضهم : عني بهم كفار قريش ، وعنى بقوله : فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ الأنصار . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا سليمان ، قال : ثنا أبو هلال ، عن قتادة ، في قول الله تعالى : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ قال : أهل مكة ، فقد وكلنا بها أهل المدينة . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبدة بن سليمان ، عن جويبر ، عن الضحاك : فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ قال : الأنصار . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مغراء ، عن جويبر ، عن الضحاك : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ قال : إن يكفر بها أهل مكة ، فقد وكلنا بها أهل المدينة الأنصار ليسوا بها بكافرين . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ يقول : إن يكفر بها قريش فقد وكلنا بها الأنصار . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ أهل مكة فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ أهل المدينة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن