محمد بن جرير الطبري
157
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقدر على شيء ، السماوات والأرض بالحق ، حجة على خلقه ، ليعرفوا بها صانعها وليستدلوا بها على عظيم قدرته وسلطانه ، فيخلصوا له العبادة . وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ يقول : ويوم يقول حين تبدل الأرض غير الأرض والسماوات كذلك : " كن فيكون " ، كما شاء تعالى ذكره ، فتكون الأرض غير الأرض عند قوله " كن " ، فيكون متناهيا . وإذا كان كذلك معناه وجب أن يكون في الكلام محذوف يدل عليه الظاهر ، ويكون معنى الكلام : ويوم يقول لذلك كن فيكون تبدل غير السماوات والأرض ، ويدل على ذلك قوله : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ثم ابتدأ الخبر عن القول فقال : قَوْلُهُ الْحَقُّ بمعنى : وعده هذا الذي وعد تعالى ذكره من تبديله السماوات والأرض غير الأرض والسماوات ، الحق الذي لا شك فيه ، وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فيكون قوله : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ من صلة " الملك " ، ويكون معنى الكلام : ولله الملك يومئذ ؛ لأن النفخة الثانية في الصور حال تبديل الله السماوات والأرض غيرهما . وجائز أن يكون القول ، أعنى قوله : الْحَقُّ مرفوعا بقوله : وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ويكون قوله : كُنْ فَيَكُونُ محلا للقول مرافعا . فيكون تأويل الكلام : وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ، ويوم يبدلها غير السماوات والأرض فيقول لذلك كن فيكون قوله الحق . وأما قوله : وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فإنه خص بالخبر عن ملكه يومئذ ، وإن كان الملك له خالصا في كل وقت في الدنيا والآخرة ؛ لأنه عنى تعالى ذكره أنه لا منازع له فيه يومئذ ولا مدعى له ، وأنه المنفرد به دون كل من كان ينازعه فيه في الدنيا من الجبابرة ؛ فأذعن جميعهم يومئذ له به ، وعلموا أنهم كانوا من دعواهم في الدنيا في باطل . واختلف في معنى الصور في هذا الموضع ، فقال بعضهم : هو قرن ينفخ فيه نفختان : إحداهما لفناء من كان حيا على الأرض ، والثانية لنشر كل ميت . واعتلوا لقولهم ذلك بقوله : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ وبالخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذ سئل عن الصور : " هو قرن ينفخ فيه " ، وقال آخرون : الصور في هذا الموضع : جمع صورة ينفخ فيها روحها فتحيا ، كقولهم سور لسور المدينة ، وهو جمع سورة ، كما قال جرير : سور المدينة والجبال الخشع والعرب تقول : نفخ في الصور ، ونفخ الصور . ومن قولهم : نفخ الصور ، قول الشاعر : لولا ابن جعدة لم تفتح قهندزكم * ولا خراسان حتى ينفخ الصور والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ " وأنه قال : " الصور قرن ينفخ فيه " . وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني : أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور . حدثني به المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في قوله : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني : أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور . فكأن ابن عباس تأول في ذلك أن قوله : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ اسم الفاعل الذي لم يسم في قوله : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وأن معنى الكلام : يوم ينفخ الله في الصور عالم الغيب والشهادة ،