محمد بن جرير الطبري

146

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف " فقالوا : ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ؟ قال : " نعم " فقال بعض الناس : لا يكون هذا أبدا فأنزل الله : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . وقال آخرون : عنى ببعضها أهل الشرك وببعضها أهل الإسلام . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن هارون بن موسى ، عن حفص بن سليمان ، عن الحسن ، في قوله : قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال : هذا للمشركين ، أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال هذا للمسلمين . والصواب من القول عندي أن يقال : إن الله تعالى توعد بهذه الآية أهل الشرك به من عبدة الأوثان وإياهم خاطب بها ، لأنها بين إخبار عنهم وخطاب لهم ، وذلك أنها تتلو قوله : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ويتلوها قوله : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ وغير جائز أن يكون المؤمنون كانوا به مكذبين . فإذا كان غير جائز أن يكون ذلك كذلك ، وكانت هذه الآية بين هاتين الآيتين ، كان بينا أن ذلك وعيد لمن تقدم وصف الله إياه بالشرك وتأخر الخبر عنه بالتكذيب ، لا لمن لم يجر له ذكر ؛ غير أن ذلك وإن كان كذلك فإنه قد عم وعيده بذلك كل من سلك سبيلهم من أهل الخلاف على الله وعلى رسوله والتكذيب بآيات الله من هذه وغيرها . وأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سألت ربي ثلاثا ، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة " فجائز أن هذه الآية نزلت في ذلك الوقت وعيدا لمن ذكرت من المشركين ومن كان على منهاجهم من المخالفين ربهم ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعيذ أمته مما ابتلى به الأمم الذين استوجبوا من الله تعالى بمعصيتهم إياه هذه العقوبات ؛ فأعاذهم بدعائه إياه ورغبته إياه من المعاصي التي يستحقون بها من هذه الخلال الأربع من العقوبات أغلظها ولم يعذهم من ذلك ما يستحقون به اثنتين منها . وأما الذين تأولوا أنه عني بجميع ما في هذه الآية هذه الأمة ، فإني أراهم تأولوا أن في هذه الأمة من سيأتي من معاصي الله وركوب ما يسخط الله نحو الذي ركب من قبلهم من الأمم السالفة من خلافه والكفر به ، فيحل بهم مثل الذي حل بمن قبلهم من المثلات والنقمات ؛ وكذلك قال أبو العالية ومن قال بقوله : جاء منهن اثنتان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة وبقيت اثنتان ، الخسف والمسخ . وذلك أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سيكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف " وأن قوما من أمته سيبيتون على لهو ولعب ثم يصبحون قردة وخنازير وذلك إذا كان ، فلا شك أنه نظير الذي في الأمم الذين عتوا على ربهم في التكذيب وجحدوا آياته . وقد روي نحو الذي روي عن أبي العالية ، عن أبي . حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، وحدثنا سفيان ، قال : أخبرنا أبي ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب : قُلْ هُوَ