محمد بن جرير الطبري

131

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ قال : لا تطردهم عن الذكر . وقال آخرون : بل كان ذلك تعلمهم القرآن وقراءته . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن أبي جعفر ، قوله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ قال : كان يقرئهم القرآن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون : بل عنى بدعائهم ربهم عبادتهم إياه . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ قال : يعني : يعبدون ، ألا ترى أنه قال : لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ يعني : تعبدونه . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى نهى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يطرد قوما كانوا يدعون ربهم بالغداة والعشي ؛ والدعاء لله يكون بذكره وتمجيده والثناء عليه قولا وكلاما ، وقد يكون بالعمل له بالجوارح الأعمال التي كان عليهم فرضها وغيرها من النوافل التي ترضي والعامل له عابده بما هو عامل له ؛ وقد يجوز أن يكون القوم كانوا جامعين هذه المعاني كلها ، فوصفهم الله بذلك بأنهم يدعونه بالغداة والعشي ، لأن الله قد سمى العبادة دعاء ، فقال تعالى : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ . وقد يجوز أن يكون ذلك على خاص من الدعاء ، ولا قول أولى بذلك بالصحة من وصف القوم بما وصفهم الله به من أنهم كانوا يدعون ربهم بالغداة والعشي فيعمون بالصفة التي وصفهم بها ربهم ولا يخصون منها بشيء دون شيء . فتأويل الكلام إذن : يا محمد أنذر القرآن الذي أنزلته إليك ، الذين يعلمون أنهم إلى ربهم محشورون ، فهم من خوف ورودهم على الله الذي لا شفيع لهم من دونه ولا نصير ، في العمل له دائبون إذ أعرض عن إنذارك واستماع ما أنزل الله عليك المكذبون بالله واليوم الآخر من قومك استكبارا على الله . ولا تطردهم ولا تقصهم ، فتكون ممن وضع الإقصاء في غير موضعه فأقصى وطرد من لم يكن له طرده وإقصاؤه ، وقرب من لم يكن له تقديمه بقربه وإدناءه ؛ فإن الذين نهيتك عن طردهم هم الذين يدعون ربهم فيسألون عفوه ومغفرته لصالح أعمالهم وأداء ما ألزمهم من فرائضه ونوافل تطوعهم وذكرهم إياه بألسنتهم بالغداة والعشي ، يلتمسون بذلك القربة إلى الله والدنو من رضاه . ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يقول : ما عليك من حساب ما رزقتهم من الرزق من شيء ، وما عليهم من حساب ما رزقتك من الرزق من شيء ، فتطردهم حذار محاسبتي إياك بما خولتهم في الدنيا من الرزق . وقوله : فَتَطْرُدَهُمْ : جواب لقوله : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ . وقوله : فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ جواب لقوله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ يعني تعالى ذكره بقوله : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ وكذلك اختبرنا وابتلينا . كالذي : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، وحدثنا الحسين بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يقول : ابتلينا بعضهم ببعض . وقد دللنا فيما مضى من كتابنا