محمد بن جرير الطبري
9
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ يقول : لا تستنوا بغير سنة المسلمين تحريم ما أحل الله ، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس ، وما أجمعوا له من صيام النهار وقيام الليل ، وما هموا له من الإخصاء . فلما نزلت فيهم بعث إليهم رسول الله ، فقال : " إن لأنفسكم حقا ، وإن لأعينكم حقا ، صوموا وأفطروا وصلوا وناموا فليس منا من ترك سنتنا " . فقالوا : اللهم أسلمنا واتبعنا ما أنزلت حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، عن ابن زيد في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ قال : قال أبى زيد : ضاف عبد الله بن رواحة ضيف ، فانقلب ابن رواحة ولم يتعش ، فقال لأهله ابن رواحة : ما عشيته ؟ فقالت : كان الطعام قليلا فانتظرت أن تأتي . قال : فحبست ضيفي من أجلي ؟ فطعامك علي حرام إن ذقته قالت هي . وهو علي حرام إن ذقته إن لم تذقه وقال الضيف : هو علي حرام إن ذقته إن لم تذوقوه فلما رأى ذلك ، قال ابن رواحة : قربي طعامك ، كلوا بسم الله وغدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد أحسنت " فنزلت هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وقرأ حتى بلغ : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ إذا قلت : والله لا أذوقه ، فذلك العقد . حدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا عكرمة ، عن ابن عباس : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إني إذا أصبت من اللحم انتشرت وأخذتني شهوتي ، فحرمت اللحم . فأنزل الله تعالى ذكره : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ حدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا خالد الحذاء ، عن عكرمة ، قال : هم أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بترك النساء والخصاء ، فأنزل الله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الآية . واختلفوا في معنى الاعتداء الذي قال تعالى ذكره : وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ فقال بعضهم : الاعتداء الذي نهى الله عنه في هذا الموضع هو ما كان عثمان بن مظعون هم به من جب نفسه ، فنهى عن ذلك ، وقيل له : هذا هو الاعتداء تحريم ما أحل الله . وممن قال ذلك السدي . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثني أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عنه السدي به . وقال آخرون : بل ذلك هو ما كان الجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا به من تحريم النساء والطعام واللباس والنوم تحريم ما أحل الله ، فنهوا أن يفعلوا ذلك وأن يستنوا بغير سنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم . وممن قال ذلك عكرمة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عنه عكرمة وقال بعضهم : بل ذلك نهي من الله تعالى ذكره أن يتجاوز الحلال إلى الحرام تحريم ما أحل الله . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا المحاربي ، عن عاصم ، عن الحسن : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا قال : لا تعتدوا إلى ما حرم عليكم . وقد بينا أن معنى الاعتداء : تجاوز المرء ماله إلي ما ليس له في كل شيء ، فيما مضى بما أغنى عن إعادته . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان الله تعالى ذكره قد عم بقوله : لا تَعْتَدُوا تحريم ما أحل الله النهي عن العدوان كله ، كان الواجب أن يكون محكوما لما عمه بالعموم حتى يخصه ما يجب التسليم له . وليس لأحد أن يتعدى حد الله تعالى في شي من الأشياء مما أحل أو حرم ، فمن تعداه فهو داخل في جملة من قال تعالى ذكره : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وغير مستحيل أن تكون الآية نزلت في أمر عثمان بن مظعون والرهط الذين هموا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هموا به من تحريم بعض ما أحل الله لهم على أنفسهم ، ويكون مرادا بحكمها كل من كان في مثل معناهم ممن حرم على نفسه ما أحل الله له أو أحل ما حرم الله عليه أو تجاوز حدا حده الله له ، وذلك أن الذين هموا بما هموا به من تحريم بعض ما أحل لهم على أنفسهم إنما عوتبوا على ما هموا به من تجاوزهم ما سن لهم وحد إلى غيره . القول في تأويل قوله تعالى : وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ