محمد بن جرير الطبري

114

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الأسدي ، قال : ثنا يزيد بن مهران ، قال : ثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في قوله : يا حَسْرَتَنا قال : " يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون يا حسرتنا " . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ . يقول تعالى ذكره : وهؤلاء الذين كذبوا بلقاء الله يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ . وقوله وَهُمْ من ذكرهم . يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ يقول : آثامهم وذنوبهم ، واحدها وزر ، يقال منه : وزر الرجل يزر : إذا أثم ، فإن أريد أنهم أثموا قيل : قد وزر القوم فهم يوزرون وهم موزورون . وقد زعم بعضهم : أن الوزر : الثقل والحمل . ولست أعرف ذلك كذلك في شاهد ولا من رواية ثقة عن العرب . وقال تعالى ذكره : عَلى ظُهُورِهِمْ لأن الحمل قد يكون على الرأس والمنكب وغير ذلك ، فبين موضع حملهم ما يحملون من ذلك ، وذكر أن حملهم أوزارهم يومئذ على ظهورهم ؛ نحو الذي : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا الحكم بن بشير بن سلمان ، قال : ثنا عمرو بن قيس الملائي ، قال : إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيبه ريحا ، فيقول له : هل تعرفني ؟ فيقول : لا ، إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن صورتك . فيقول : كذلك كنت في الدنيا ، أنا عملك الصالح ، طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم وتلا : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً . وإن الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا ، فيقول : هل تعرفني ؟ فيقول : لا ، إلا أن الله قد قبح صورتك وأنتن ريحك . فيقول : كذلك كنت في الدنيا ، أنا عملك السيئ طالما ركبتني في الدنيا فأنا اليوم أركبك وتلا : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ قال : ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاء رجل قبيح الوجه أسود اللون منتن الريح عليه ثياب دنسة ، حتى يدخل معه قبره ، فإذا رآه قال له : ما أقبح وجهك قال : كذلك كان عملك قبيحا . قال : ما أنتن ريحك قال : كذلك كان عملك منتنا . قال : ما أدنس ثيابك قال : فيقول : إن عملك كان دنسا . قال : من أنت ؟ قال : أنا عملك . قال : فيكون معه في قبره ؛ فإذا بعث يوم القيامة ، قال له : إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات ، فأنت اليوم تحملني . قال : فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار ؛ فذلك قوله : يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ . وأما قوله تعالى : أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ فإنه يعني : ألا ساء الوزر الذي يزرون : أي الإثم الذي يأثمونه بكفرهم بربهم . كما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ قال : ساء ما يعملون . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ . وهذا تكذيب من الله تعالى ذكره هؤلاء الكفار المنكرين البعث بعد الممات في قولهم إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ يقول تعالى ذكره مكذبا لهم في قيلهم ذلك : مَا الْحَياةُ الدُّنْيا أيها الناس ، إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ يقول : ما باغي لذات الحياة التي أدنيت لكم وقربت منكم في داركم هذه ونعيمها وسرورها فيها والمتلذذ بها والمنافس عليها ، إلا في لعب ولهو ؛ لأنها عما قليل تزول عن المستمتع بها والمتلذذ فيها بملاذها ، أو تأتيه الأيام بفجائعها وصروفها فتمر عليه وتكدر كاللاعب اللاهي الذي يسرع اضمحلال لهوه ولعبه عنه ، ثم يعقبه منه ندما ويورثه منه ترحا . يقول : لا تغتروا أيها الناس بها ، فإن المغتر بها عما قليل يندم . وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ يقول : وللعمل بطاعته والاستعداد للدار الآخرة بالصالح من الأعمال التي تبقى منافعها لأهلها ويدوم سرور أهلها فيها ، خير من الدار التي تفنى فلا يبقى لعمالها فيها سرور ولا يدوم لهم فيها نعيم . لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ يقول : للذين يخشون الله فيتقونه بطاعته واجتناب معاصيه والمسارعة إلى رضاه . أَ فَلا تَعْقِلُونَ يقول : أفلا يعقل هؤلاء المكذبون بالبعث حقيقة ما نخبرهم به من أن الحياة الدنيا لعب ولهو ، وهم يرون من يخترم منهم ومن