محمد بن جرير الطبري

112

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إنما الواو موضع حال ، لا يسعني شيء ويضيق عنك : أي وهو يضيق عنك . قال : وكذلك الصرف في جميع العربية . قال : وأما الفاء فجواب جزاء ، ما قمت فآتيك : أي لو قمت لأتيناك . قال : فهذا حكم الصرف والفاء . قال : وأما قوله : وَلا نُكَذِّبَ وَنَكُونَ فإنما جاز ، لأنهم قالوا : يا ليتنا نرد في غير الحال التي وقفنا فيها على النار ، فكان وقفهم في تلك ، فتمنوا أن لا يكونوا وقفوا في تلك الحال . وكأن معنى صاحب هذه المقالة في قوله هذا : ولو ترى إذ وقفوا على النار ، فقالوا : قد وقفنا عليها مكذبين بآيات ربنا كفارا ، فيا ليتنا نرد إليها فنوقف عليها غير مكذبين بآيات ربنا ولا كفارا . وهذا تأويل يدفعه ظاهر التنزيل ، وذلك قول الله تعالى : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فأخبر الله تعالى أنهم في قيلهم ذلك كذبة ، والتكذيب لا يقع في التمني ، ولكن صاحب هذه المقالة أظن به أنه لم يتدبر التأويل ولزم سنن العربية . والقراءة التي لا اختار غيرها في ذلك : " يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين " بالرفع في كليهما ، بمعنى : يا ليتنا نرد ، ولسنا نكذب بآيات ربنا إن رددنا ، ولكنا نكون من المؤمنين ؛ على وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردوا إلى الدنيا ، لا على التمني منهم أن لا يكذبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين ؛ لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ، وأنهم كذبة في قيلهم ذلك . ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني لاستحال تكذيبهم فيه ، لأن التمني لا يكذب ، وإنما يكون التصديق والتكذيب في الأخبار . وأما النصب في ذلك ، فإني أظن بقارئه أنه برجاء تأويل قراءة عبد الله التي ذكرناها عنه ، وذلك قراءته ذلك : " يا ليتنا نرد فلا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين " على وجه جواب التمني بالفاء . وهو إذا قرئ بالفاء كذلك لا شك في صحة إعرابه ، ومعناه في ذلك أن تأويله إذا قرئ كذلك : لو أنا رددنا إلى الدنيا ما كذبنا بآيات ربنا ، ولكنا من المؤمنين . فإن يكن الذي حكى من حكى عن العرب من السماع منهم الجواب بالواو و " ثم " كهيئة الجواب بالفاء صحيحا ، فلا شك في صحة قراءة من قرأ ذلك : يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ نصبا على جواب التمني بالواو ، على تأويل قراءة عبد الله ذلك بالفاء ، وإلا فإن القراءة بذلك بعيدة المعنى من تأويل التنزيل . ولست أعلم سماع ذلك من العرب صحيحا ، بل المعروف من كلامها الجواب بالفاء والصرف بالواو . القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . يقول تعالى ذكره : ما قصد هؤلاء العادلين بربهم الجاحدين نبوتك يا محمد في قيلهم إذ وقفوا على النار : يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ، الأسى والندم على ترك الإيمان بالله والتصديق بك ؛ لكن بهم الإشفاق مما هو نازل بهم من عقاب الله وأليم عذابه على معاصيهم التي كانوا يخفونها عن أعين الناس ويسترونها منهم ، فأبداها الله منهم يوم القيامة وأظهرها على رؤوس الأشهاد ، ففضحهم بها ثم جازاهم بها جزاءهم . يقول : بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ من أعمالهم السيئة التي كانوا يخفونها ، مِنْ قَبْلُ ذلك في الدنيا ، فظهرت . وَلَوْ رُدُّوا يقول : ولو ردوا إلى الدنيا فأمهلوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ يقول : لرجعوا إلى مثل العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا قبل ذلك من جحود آيات الله والكفر به والعمل بما يسخط عليهم ربهم . وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قيلهم : لو رددنا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين ، لأنهم قالوه حين قالوه خشية العذاب لا إيمانا بالله . وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ يقول : بدت لهم أعمالهم في الآخرة التي أخفوها في الدنيا . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ قال : من أعمالهم . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما