محمد بن جرير الطبري

106

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الذين كنتم تزعمون إجابة منهم لنا عن سؤالنا إياهم ذلك إذ فتناهم فاختبرناهم ، إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ كذبا منهم في أيمانهم على قيلهم ذلك . ثم اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته جماعة من قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : " ثم لم تكن فتنتهم " بالنصب ، بمعنى : لم يكن اختبارنا لهم إلا قيلهم وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ غير أنهم يقرءون تَكُنْ بالتاء على التأنيث وإن كانت للقول لا للفتنه لمجاورته الفتنة وهي خبر ، وذلك عند أهل العربية شاذ غير فصيع في الكلام ؛ وقد روي بيت للبيد بنحو ذلك ، وهو قوله : فمضى وقدمها وكانت * عادة منه إذا هي عردت إقدامها فقال : " وكانت " بتأنيث الإقدام لمجاورته قوله : عادة . وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفيين : " ثم لم يكن " بالياء " فتنتهم " بالنصب إِلَّا أَنْ قالُوا بنحو المعنى الذي قصده الآخرون الذين ذكرنا قراءتهم ، غير أنهم ذكروا يكون لتذكير أن . . . وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب ، لأن " أن " أثبت في المعرفة من الفتنة . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ فقال بعضهم : معناه : ثم لم يكن قولهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : قال قتادة في قوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ قال : مقالتهم . قال معمر : وسمعت غير قتادة يقول : معذرتهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ قال : قولهم . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبى ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا الآية ، فهو كلامهم ، قالوا : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول : ثنا عبيد بن سليمان ، قال سمعت الضحاك : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ يعني كلامهم . وقال آخرون : معنى ذلك معذرتهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار وابن المثنى ، قالا : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن قتادة : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ قال : معذرتهم . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ يقول : اعتذارهم بالباطل والكذب . والصواب من القول في ذلك أن يقال معناه : ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم اعتذارا مما سلف منهم من الشرك بالله ، إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فوضعت الفتنة موضع القول لمعرفة السامعين معنى الكلام . وإنما الفتنة : الاختبار والابتلاء ، ولكن لما كان الجواب من القوم غير واقع هنا لك إلا عند الاختبار ، وضعت الفتنة التي هي الاختبار موضع الخبر عن جوابهم ومعذرتهم . واختلفت القراء أيضا في قراءة قوله : إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين والبصريين : وَاللَّهِ رَبِّنا خفضا على أن " الرب " نعت لله . وقرأ ذلك جماعة من التابعين : " والله ربنا " بالنصب بمعنى : والله يا ربنا ، وهي قراءة عامة قراء أهل الكوفة . وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك قراءة من قرأ : " والله ربنا " بنصب الرب ، بمعنى : يا ربنا . وذلك أن هذا جواب من المسؤولين المقول لهم : أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وكان من جواب القوم لربهم : والله يا ربنا ما كنا مشركين ، فنفوا أن يكونوا قالوا ذلك في الدنيا . يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ، ويعني بقوله : ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ما كنا ندعو لك شريكا